الدعوة إلى الدين الحق

قراءة من رؤى المرجع الشيرازي

 

alshirazi.net

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا  قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)[1].

المنظور القرآني للتبليغ الإسلامي قرر مسألة هامة وهي مسألة التخصص والإعداد الكامل للمُبلِّغ والداعية الإسلامي واعتبر مسألة التبليغ من أهم الواجبات الإسلامية وحرَّض المؤمنين على ذلك كما هو واضح من قوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ)، ومن هنا كان على قادة الإسلام سلام الله عليهم بعث المؤمنين على الإعداد النفسي والذاتي لهذه المسألة فنجد الأحاديث الكثيرة جداّ الباعثة نحو طلب العلم تعليمه وتَعلمه ففيه إضافة إلى إصلاح المجتمع إعداد الكوادر القادرة على التبليغ الحق ولنكتفي هنا برواية واحدة في هذا الصدد، فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «طلب العلم فريضة على كل مسلم فاطلبوا العلم من مظانّه، واقتبسوه من أهله، فإن تعلّمه لله حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة به تسبيح، والعمل به جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنة، والمؤنس في الوحشة والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدّث في الخلوة، والدليل على السّراء والضّراء، والسلاح على الأعداء، والزّين[2] عند الإخلاء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم ويهتدي بأفعالهم وينتهي إلى آرائهم، ترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلواتها تبارك عليهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه.

إن العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار، ومجالس الأبرار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، الذكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام به يطاع الرب ويعبد، وبه توصل الأرحام ويعرف الحلال من الحرام. العلم إمام العمل، والعلم تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه الله من حظّه»[3].

وعلى ذات النهج في البعث على تحصيل العلوم نجد سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله يسير ففي لقاءه بجمع من مسؤولي وأساتذة وطلبة مدرسة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله للعلوم الدينية بمدينة قم المقدسة بتاريخ الأحد الثامن عشر من شهر شعبان المعظم1432هـ وخلال إرشاداته القيمة لهم قال سماحته: أنتم الآن شباباً في مقتبل عمركم، ووسائل التعلم اليوم أكثر وأوفر وأسهل تحصيلاً من الماضي، فصمموا واعزموا على أن تكونوا كالشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه، أي صمموا على سلوك طريق تعلم علوم آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، وهذا بحاجة إلى أمرين:

الأول: الاستفادة من الوقت كله في التعلم، فعلوم أهل البيت صلوات الله عليهم واسعة جداً وعميقة جداً، وبحاجة إلى المزيد من الجهود والسعي، فعليكم أن تأسسوا الأرضية الأساس والمقدمة لتعلم علوم أهل البيت صلوات الله عليهم، وهذه الأرضية هي إتقان العلوم الخمسة التالية: النحو، والصرف، والمنطق، ومعاني البيان، واللغة.

الثاني: الالتزام بتقوى الله تبارك وتعالى، في كل صغيرة وكبيرة.

وأضاف سماحته: إن أفضل وأحسن عمل يفعله الإنسان في هذه الدنيا وأفضل طريق يسلكه هو تعلم علوم أهل البيت صلوات الله عليهم، فإني خلال حياتي لم أجد أحسن وأفضل من هذا الطريق، فعليكم بهذا الطريق، وجدّوا واجتهدوا فيه وابذلوا أقصى جهودكم وطاقاتكم، وحاولوا أن تشجعوا وتحثوا أقرانكم والآخرين على سلوك هذا الطريق، سواء من الأقارب والجيران أو غيرهم.

 

عالمية التبليغ:

إن رسول الله صلى الله عليه وآله بُعث للعالم قاطبة ودعوته المقدسة لابد أن تشمل العالم أجمع ومن هنا جاء الوعد الإلهي بإظهار الدين الإسلامي على الأديان والمعتقدات الأخر قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى‏ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[4] .

وهذا الأمر لا يتم إلا بعد أن تتكامل مسألة الإعداد للكوادر الداعية والمبلِّغة ويتم تحديد نطاق التبليغ وهو وفق المنظور القرآني بل الإسلامي هو العالم بأكمله من هنا نجد إن الخطاب الإسلامي هو خطاب عالمي وفي هذا الصدد يقول سماحته[5]: إن البشرية اليوم لو تتعرف على الإسلام الحقيقي المتمثل بإسلام رسول الله وإسلام أمير المؤمنين والأئمة الأطهار صلوات الله عليهم، فإننا سنرى يومياً دخول الملايين منهم في الإسلام وهذا بحاجة إلى همم المؤمنين وبذلهم الجهود من أجل تعريف الإسلام للبشرية جمعاء.

فنلاحظ تأكيد سماحته في مسألة تبليغ الإسلام الحقيقي المتمثل بالمذهب الحق مذهب أهل البيت عليهم السلام وهذا الأمر لا يتم إلا بالتحصيل العلمي للمبلِّغ ومضاعفة الجهود في سبيل ذلك، في وقت يكون متحل بالأخلاق الحميدة متخذاً من المبلِّغ الأول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله الأسوة والقدوة فالرسول بعظمته وأخلاقه استطاع النجاح في دعوته وفي هذا المقام يقول سماحته: ان رسول الله صلى الله عليه وآله تمكن في المدينة المنورة من تطبيق الإسلام وتعاليمه وأخلاقه, فلما رأى الناس عظمة الإسلام وما فيه من القوانين والتعاليم التي تصبّ كلها في سعادة الإنسان, ولما رأوا عظمة خلق النبي صلى الله عليه وآله ورحمته وشفقته حتى بالأعداء, آمنوا بالإسلام, وخصوصاً في السنة الأخيرة من حياة النبي صلى الله عليه وآله التي سميّت بعام الوفود, حيث كان الناس يقدمون يومياً بالمئات وعلى شكل جماعات على النبي وكانوا يسلمون على يديه صلى الله عليه وآله, وذلك قوله تبارك وتعالى: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً)[6].

 

الإعلام والتبليغ:

من المؤكد أن الوسائل التكنولوجية الحديثة ـ والتي أحدثت ثورة في وسائل الإعلام والاتصال ـ قد سهلت من وظيفة التبليغ وإيصال الحق للبشرية جميعاً، فعلى الداعية والمبلغ اغتنام هذه الوسائل وبنسبة كبيرة وان يسبق في ذلك الأعداء الذين يتخذون من هذه الوسائل سلماً لغاياتهم بنشر أباطيلهم كما فعلوا في السابق, فالمسؤولية كبيرة وعلى العلماء وطلبة العلم ورجال الدين أن يتحملوها بقوة وفي هذا الصدد يقول سماحته: إذا تهاون العلماء في تعريف الحقّ وبيانه للناس, وفي بيان الباطل, ولم يؤدّوا مسؤوليتهم كما يجدر في هذا المجال, فسيصاب الناس بالحيرة ويضلّوا ويتبعوا الباطل, وتبعاً لذلك سيكون جزاء العالم والمبلّغ في الآخرة هو أسفل السافلين. وأما إذا قام العالم الديني والمبلّغ بأداء مسؤوليته كما يجدر في هذا المجال, وبدراية وحكمة, وعمل على إخراج الناس من الظلمات إلى النور, وعرّفهم الحق, فسينال الدرجات الرفيعة بالآخرة.

وذكر سماحته نماذج من التاريخ, من ممارسات ومحاولات أعداء أهل البيت صلوات الله عليهم في تضليل الناس وإبعادهم عن أئمة أهل البيت صلى الله عليه وآله, بالأخصّ ممارسات ابن آكلة الأكباد معاوية, وقال: كان عمر بن ثابت من مرتزقة وأعوان معاوية, وهذا كان يركب بالشام ويدور في القرى بالشام, فإذا دخل قرية جمع أهلها ثم ينال من الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه ويختلق الأكاذيب والتهم والباطل بحقّ الإمام, وكان يطلب من الناس أن ينالوا من الإمام صلوات الله عليه ويسبّوه. وبعدها كان يسير إلى القرية الأخرى فيأمرهم بمثل ذلك, وكانت تلك الأكاذيب تنطلي على الناس, بحيث أنهم وبعد سماعهم لأكاذيب وأباطيل عمر بن ثابت كانوا يتطاولون على الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

وعقّب سماحته: إنّ اولئك الناس كانوا غافلين من معرفة أن الحق هو الإمام عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه, لأن الخبيث عمر بن ثابت كان يطري على معاوية ويمدحه ويختلق له فضائل, ولذلك عندما سمع الناس أن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه استشهد في المحراب, تعجّبوا وتساءلوا: وهل كان عليّ يصلّي؟!

وأضاف سماحته: مثل هذه الممارسات والمحاولات نراها تحدث اليوم في عالمنا, ففي عالم اليوم ترى وسائل الإعلام, بالأخص الفضائيات, تنقل وتوصل خبر أية حادثة وأية واقعة إلى الناس في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها بعد ثوان أو بضع دقائق من وقوعها, لكن تجاه الظلم والجور والقمع الشديد الذي يتعرّض له المؤمنين والمؤمنات في البحرين اليوم بسبب مطالبتهم بحقوقهم المشروعة والإنسانية المهضومة, فإن هذه الوسائل الإعلامية نراها تمارس التضليل والتعتيم وقلب الحقائق, بل ويتّهمون الأبرياء والمظلومين بالبحرين بشتى التهم وبالباطل.

والحمد لله رب العالمين.

 ـــــــــــــــ

[1] التوبة: 122.

[2] الزَّين: ضد الشين. ج أزيان «القاموس المحيط ـ مادة زين».

[3] الأمالي للطوسي: ج2 ص102 كما عن كتاب البرهان في تفسير القرآن، العلامة المحدث السيد هاشم البحراني، منشورات مؤسسة دار المجتبى للمطبوعات 1428هـ، ج1 ص13.

[4] ـ التوبة: 33

[5] خلال لقاء سماحته بأستاذة وطلبة العلم من الحوزة الناظمية في مدينة لكنهو في الهند.

[6] سورة النصر: 2.