الاستبداد وإهانة المقدسات.. البقيع الغرقد أنموذجاً

alshirazi.net

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد..

فإن ابرز معالم العقد الثاني من الألفية الثالثة في الدول العربية ظاهرة انتفاض الشعوب العربية ومطالبتها بسقوط أنظمة الاستبداد والدكتاتورية التي طالما جثمت مثقّـِلة كاهل الشعوب, موجبةً أنظمة معينة وأيدلوجيات سياسة وقانونية غير شرعية على الجميع الالتزام بها وعدم مخالفتها.

الاستبداد يعني لا لحرية الرأي فالإنسان في ظله مُسخت شخصيته وسلب توازنه وتفكيره, وأصبح مخلوقاً ضعيفاً أو مستضعفاً لا يقوى على أي عمل أو وظيفة تخص حياته الفكرية أو الاجتماعية والسياسية[1].

الاستبداد سلب لحرية الفكر في ميادينه كافة فلا يجوز مخالفة النظام الحاكم بأدنى مخالفة, نعم يجوز أن يعصى الله سبحانه بل يجب عصيانه مادامت في طاعة الحاكم.

الاستبداد يعني الفساد والإفساد واليه أشار القرآن العظيم قال تعالى: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ)[2] وفيه إشارة صريحة إلى سياسة الملكية المستبدة هي الاستبداد المطلق ومصادرة حقوق الضعفاء والفقراء على الدوام... وتحطيم الطاقات والكفاءات فترى العزيز ذليلاً والذليل عزيزاً... وقد أكد الشرع هذا المعنى مرة أخرى على لسانه الناطق المتمثل في أمير المؤمنين علي عليه السلام حينما قال: «دولة اللئام مذلة الكرام»[3].

وان ابرز مظاهر مذلة الكرام هي إهانة مقدساتهم, ولنأخذ مثالاً لذلك البقيع الغرقد وما فيه من أضرحة مقدسة لدى عموم المسلمين إلا من شذ من أتباع الحركة الوهابية وفق مبانيها العقائدية وأساليبها في الحصول على الفتاوى الباطلة بالإكراه والعنف ويشهد لذلك الفتاوى التي حصلوا عليها لتهديم قبور أئمة البقيع وملخص الحادثة: إن جيش الاستبداد الوهابي هجم بتاريخ الثامن من شوال المكرم 1432هـ على المدينة المنورة وهدموا أولا قبة وضعت لشهداء احد كانت في خارج المدينة.

ولمّا دخلوها فكروا أنهم لو أرادوا هدم الأماكن المقدسة في البقيع عليهم تهيئة الأرضية المناسبة لذلك من خلال إقناع الرأي العام في الحجاز الذي كان في ذلك الوقت يخالفهم تماماً والحصول على فتوى العلماء في ذلك، فأرسلوا قاضي قضاة نجد سليمان بن جليهد إلى المدينة ليحصل لهم على تلك الفتاوى التي تتناسب والعمل الذي ينوون القيام به.

وبالفعل ذهب إليهم وطرح عليهم الأسئلة ووضع لهم الإجابة وطلب الإمضاء عليها وإن لم يفعلوا حكم عليهم بالردة والكفر والشرك وبذلك يستحقون الموت.

وبعد صدور الفتاوى من قبل خمسة عشر من وعاظ السلاطين أو ما يسمون أنفسهم بالعلماء، وزعت بين الناس في الحجاز وفي نفس العام وبعد أن أصبح عندهم غطاء شرعي لأفعالهم المشينة قاموا بتخريب وهدم قبور الأئمة الأربعة الأطهار عليهم السلام ومحو كل الآثار والمعالم المتعلقة بأهل البيت عليهم السلام وسلبوا كل الأشياء الثمينة منها ولم يسلم منها إلا قبر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، بعد أن سرقوا كلّ الأموال والمجوهرات في الخزانة وعدم التعرض إلى القبر الشريف ليس من باب العظمة والاحترام لأن محمد بن عبد الوهاب قد تجاسر على شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله وقال عنه: إن العصا التي في يدي هي أفضل وأنفع من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ الذي ذهب عن الدنيا ومات.

 وإنما لم يتعرضوا لهدم القبة الشريفة لأجل وجود قبر أبي بكر وعمر في ذلك المكان، فإذا هدموا قبر الرسول صلى الله عليه وآله فسوف يحصل اعتداء عليهما وهو مرفوض لديهم ألا لعنة الله على القوم الظالمين.

وبالإضافة إلى ذلك قاموا بتهديم قبورٍ أخرى وهي عبارة عن القبر المنسوب لفاطمة الزهراء عليها السلام وقبر أم البنين عليها السلام، وقبر إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وآله، وقبر إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق عليهما السلام، وقبر حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وآله.

وفي مكة المكرمة خربوا قباب عبد المطلب وأبي طالب وخديجة ومولد الرسول وفاطمة الزهراء عليهم السلام وساووها بالأرض.

وفي جدة خرَّبوا قبر أُمنا حواء وقبور أخرى، وساووها بالأرض، وكذلك قبة ومرقد عبد الله وآمنة عليهما السلام أبوي رسول الله صلى الله عليه وآله.

 

واليوم.. إن وصلت الانتفاضات العربية إلى الحجاز؟

فهل ستكون المطالبة بإعادة بناء الأضرحة الطاهرة على رأس قائمة المطالب؟

بل هل ستكون جريمة تهديم المراقد المقدسة وإهانتها احد الأسباب الرئيسية للانتفاضات المرتقبة في الحجاز؟

تساؤلات المستقبل القريب سيجيب عنها، وعلى السياسي المحنك المتعقل أن يتفادى حدوث ذلك، وذلك بإجراء إصلاحات سريعة تتلاءم والمرحلة الآنية وهي مرحلة الانتفاضات والمطالبة بالحريات.

إن لم يك حكّام النظام المستبد يرغبون بوصول موجة الاحتجاجات الشعبية إلى أراضيهم فمن الآن عليهم الأمر بإعادة البناء أو السماح لمن أُهينت كرامتهم أن يعيدوا بناء مقدساتهم، وإلا فالموجة حين تأتي عنيفة عالية لا يوقفها شيء وعندها ولات حين مندمِ، ونحن وإياهم منتظرون، والحمد لله رب العالمين.

  __________________

[1] ضد الاستبداد، آية الله الشيخ فاضل الصفار دار الخليج العربي, 1418وص25.

[2] النمل: 34.

[3] غرر الحكم ج1 ص361.