شيعة العراق والوحدة الوطنية

 بقلم: العلامة الشيخ ناصر الأسدي

 

أثبتت تجارب التاريخ العراقي في مختلف حقبه الماضية، أن شيعة العراق لم تكن لديهم أية نزعة لتشكيل كيان سياسي خاص بهم، بل أعطت الممارسة السياسية للشيعة أدلة واضحة على تمسكهم بوحدة التراب العراقي، وكانوا دوما حريصين على الوحدة الوطنية. وهذا ما يمكن اكتشافه من طبيعة نضالـهم الوطني، لاسيما منذ الحرب العالمية الأولى والفترات التالية لـها وهي فترة تشكيل الدولة العراقية بحدودها الرسمية الحالية.  حيث خلا تاريخ النضال الشيعي بمختلف اتجاهاته وتياراته الإسلامية وغير الإسلامية من النزعة الانفصالية، بل أكد الشيعة على وحدة الوطن والشعب وهذا ما تثبته الوثائق وأحداث التاريخ.

فالشيعي العراقي يعتز بوطنيته، فالاتجاه العام لدى الشيعة كان يميل إلى تبني أهداف الثورة العربية التي رفع لواءها الشريف حسين في الحجاز، وطالب بملوكية أحد أنجالـه، مما كان لـه الأثر الكبير في حصول فيصل بن الشريف حسين على عرش العراق.

هذا الموقف التاريخي للشيعة لم يقابل بإحسان ومعروف من قبل الحكومات العراقية، فقد تنكرت الأنظمة الحاكمة لدورهم الرائد في الحفاظ على الوحدة الوطنية، وفي تشكيل كيان الدولة العراقية، وفي النضال من أجل عراق دستوري مستقل.

إن أقدم الحركات والأحزاب الشيعية في العراق كانت واضحة في أهدافها وبرامجها السياسية، فهي تسعى إلى تحقيق الاستقلال وتشكيل دولة دستورية تمتد من شمال ولاية الموصل إلى جنوب ولاية البصرة. وكانت عبارة (حكومة عربية إسلامية) التي كتبها علماء الشيعة ورجالاتهم في استفتاء 1919م، هي الوثيقة التي لا تقبل التحريف والجدل والتأويل على تمسك شيعة العراق بالحكم العربي المسلم، وقطع الطريق أمام أي طرح سياسي يتجاوز الاستقلال الوطني.

وقد ظل هذا الموقف الشيعي ثابتاً في الفترات التالية رغم الاضطهاد والتمييز الطائفي الذي مارسته السلطات الحاكمة، والذي نال رواد الاتجاه الوطني مثل الشيخ مهدي الخالصي الذي نفته حكومة عبد المحسن السعدون إلى خارج العراق مع أنه ساهم في كسب التأييد الشيعي للحكم الوطني، وكان إبعاده بتأثير طائفية السلطة ومحاولة التخلص من زعيم وطني طالب بالاستقلال الكامل وبالدستور الوطني النزيه.

لم تؤثر النزعة الطائفية على توجهات شيعة العراق، وظلوا متمسكين بالوحدة الوطنية إلى أبعد الحدود، وللإنصاف كانوا هم أكثر من ضحى لاستقلال العراق ووحدته، وأكثر من خسر وتضرر، وكأن السلطات تكفلت بالانتقام منهم نيابة عن المحتل الأجنبي.

وحينما وصلت الأوضاع إلى أزمتها المتفجرة الحالية، لم يطرح شيعة العراق شعار الانفصال أو فكرة مشابهة على الإطلاق، بل أجمعت الفصائل الشيعية الفاعلة في المعارضة العراقية حتى اليوم على وحدة العراق الوطنية وضرورة الحفاظ عليها كهدف استراتيجي ثابت.

إن وحدة العراق بحدوده الرسمية الحالية ووحدة شعبه بكل فئاته وقومياته وأقلياته، مطلب شيعي وخط ثابت يتمسك به شيعة العراق، وهو ما يمكن ملاحظته في كافة سياقات الخطاب الشيعي مهما اختلفت مصادره.

إن شيعة العراق أثبتوا تاريخياً أنهم يضحون بحقوقهم من أجل المصلحة الوطنية، وأن مطالبتهم بحقوقهم السياسية والمدنية ورفضهم للسياسة الطائفية هو نهج وطني مخلص، من شأنه أن يعزز الوحدة الوطنية، وهو أمر يجب أن يأخذه في الاعتبار كل عراقي مخلص ويضعه في قمة الأولويات والثوابت الخاصة بمستقبل العراق.