الشيرازي مرجع مكتبه الفضاء الرحب

 بقلم: حسن كاظم الفتال

 

إن العوامل النفسية عادة تلعب دورا مهما في تكوين وبناء وإصلاح وصلاحية وسلامة شخصية الفرد بل المجتمع برمته، وهذه العوامل مكنونة مغمورة داخل كل فرد تحتاج لإيقاظ يسببه حدث مهم أو من يحدث الحدث، وإن مراعات العوامل النفسية جانب مهم من جوانب القيادة في كل زمان ومكان وعلى القائد أن يتعامل بروية وحنكة وحكمة مع هذا الجانب فيتخذ العامل النفسي وسيلة من وسائل بناء أمة أو صناعة جيل واعي متفهم يصنع تاريخه المجيد بنفسه، هذا التعامل يتطلب تفاعل مع الآخرين في إيجاد استراتيجية عملية علمية للوصول إلى أفضل ما يتمناه المربي الفاضل، وقد اتخذ سماحة الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره استراتيجية علمية في عمله كمرجع إذ أحس بأن أكبر وأعظم وأسمى وأشرف مهمة قد وقعت على عاتقه  فجعل للجانب النفسي حصة في أداء واجبه في التفاعل مع العصر والمعاصرين والحدث والمحدثين وكان لهذا التصرف إنعكاسات نفسية على الآخرين وهذه الإنعكاسات إيجابية في كل جوانبها .

إذ يعتقد بعض الناس إن المرجع أو العالم الديني ما عليه إلا أن يتخذ من مسكنه أو مقره صومعة تحيطها رفوف مليئة بالكتب والمجلدات الضخمة للمطالعة فقط ليعيش بمعزل عن الناس، ويتوجب على من يروم الإطلاع على الخفايا أو يتفقه في أمور دينه الرئيسية أو الفرعية البسيطة أو المعقدة منها أو أن يحصل على أية إجابة لسؤال أو إيضاح لمسألة شرعية فعليه أن يتوجه إلى دار هذا العالم أو مكتبه ليحصل على ما يريد وان العالم أو المرجع لايراه أحد إلا في المناسبات أو عند الإحتياج والذهاب إليه .

هذا التصور جعل الكثير من الناس أن يتهيب أو يتردد من مقابلة العالم أو يخشى الذهاب إلى داره للإستفسار . مما أنشأ قيودا وحواجز بين بعض العامة والمراجع .

ويبدو أن سماحته سعى جاهدا إلى كسر هذا الطوق وإزالة الحواجز وقد رسم صورة واضحة  كل الوضوح استطاع أن يراها البعيد والقريب وأن يطلع على تفاصيلها وجزئياتها تلك الصورة هي صورة التفاعل والتلاحم بين المرجع ومقلديه وبين العالم ومن يحتاجه لعلمه وإذ يقول سماحته (العالم يلزم عليه بيان الأحكام والمسائل بكل لطف، والدعوة إلى الله وإلى الفضيلة وتشييع الجنائز وزيارة القادمين والاشتراك في أفراح الناس وأحزانهم وتحمل سوء أخلاق العامة وغلظتهم والصبر على الثقلاء من الناس)، وأثبت وبجدارة فائقة مقدرته على رسم هذه الصورة عن طريق النزول إلى الشارع بإسلوبه العملي العلمي فقد خصص وقتا للسير في الشارع والتحدث مع الصغير والكبير وربما نستطيع أن نقول يندر أن يسبقه أحد بالسلام فهو السبّاق البادئ بالسلام على الآخرين دائما وعمد على الالتقاء بالناس وجها لوجه سواء من مقلدي سماحته أو من غيرهم وكانت توجيهاته وإرشاداته ومواعظه مباشرة وجها لوجه دون أية حلقة وصل وبإسلوب مبتكر  فلم نر ولم نسمع أن أحدا استخدمه سواه وان كان الشارع الكر بلائي يوشك أن يكون مغلقا تماما على تقليد سماحته وأنشأ بذاك علاقات وطيدة مميزة وتكاد تكون منفردة مع كل شرائح المجتمع وقل ما تجد  أحدا من معاصريه ومريديه لا يحتفظ بقصة أو ذكرى جميلة أو بحدث يعبر عن مدى نجاح هذا الأسلوب وهو أسلوب الاقتراب من الناس والاتصال بهم لأنهم القاعدة الكبيرة والمهمة وسنأتي على ذكر تفاصيل الشواهد في محور آخر من محاور الحديث ورغم إن هذه العلاقة مصدرها التواضع والعلمية المتفوقة فإنها ليست علاقة عاطفية أو مصلحية هدفها مآرب شخصية ومنافع خاصة، فإن سماحته بهذا التعامل جعل البعض يدرك تمام الإدراك بأن المرجعية حاضرة في كل مكان تشارك الناس سراءهم وضراءهم، وهنالك أدلة وشواهد كثيرة ملموسة يمكن أن تبرهن إلى أن مرجعيته كانت ذات ميدانية واسعة الانتشار إذ أنه كان على اتصال دائم بل التصاق تام بالمجتمع، يحاور الصغير والكبير ويجامل الجميع وحين يلتقي الناس تراه لا يزداد إلا بساطة وتواضع يجالسهم شأنه شأن أي إنسان عادي بسيط وكأنه ليس ذلك المستودع للعلم والمعرفة الذي اكتسح طوفان علمه محيطات الجهل ،ولازال الكثير من الكربلائيين يستذكرون ويتذكرون حوادث وصور عالقة انعكاساتها في الأذهان لا تفارق كل من عاصره خصوصاً وقد كانت مدينة كر بلاء يوم ما شبه مغلقة على تقليد سماحته  وإتباعه والإقتداء بمنهجه المتنوع الاتجاهات دينياً واجتماعيا وسياسياً.