لقاء مع الشيخ جمال الوكيل

 

اللقاء: التاسع والعشرون.

الشخصية المحاورة: الشيخ جمال الوكيل (العراق).

المكان: كربلاء المقدسة، موقع المرجع الشيرازي.

 

في كربلاء المقدسة:

●  ماهي علاقتكم بالسيد الشهيد ومتى بدأت وكيف استمرت؟

بدأت علاقتي بالسيد الشهيد السعيد آية الله السيد حسن الشيرازي (قدس سره) منذ نعومة أضفاري في مدينة كربلاء المقدسة عندما كان الشهيد يمارس دروه الفكري والعلمي والثقافي والى جانب أخيه سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (طاب ثراه) وكان دور الشهيد بارزاً وملموساً وفي مختلف الجوانب وعلى الاصعدة العلمية والثقافية والسياسية لخلق حالة الوعي الديني والسياسي في الأمة وخاصة في مدينة كربلاء حيث كانت رعايته الكريمة وحنانه الشديد تجاه الشباب المسلم قد ضاعف من مسؤولياته التي كانت تغمره لساعات طويلة في بحوثه معهم خاصة ان الفترة الزمنية كانت حرجة اذ كان المد الاحمر قد غزى المدينة من اوسع ابوابها لذلك كان الشهيد انموذجاً في التصدي والوقوف امام عدة تيارات فكرية ولاسيما التيار الشيوعي الملحد لذا كانت حركة الشهيد تثير في نفوسنا حماس الجهاد والتصدي الفكري والثقافي وباخلاق عالية بعلوّ وشموخ استاذنا الشهيد. والتي استمرت علاقتي بالمنهج الرسالي له ولحد الان.

 

أمثولة الخلق السامي:

  ماذا كانت الخصوصيات الأخلاقية للشهيد؟

لا يمكن تحديد الخصوصيات الأخلاقية للشهيد الغالي بهذه العجالة والاختصار اذ تحتاج كل واحدة منها الى وقفات وتأملات كي نستخلص منها دروساً في القيادة والجهاد والعمل المثابر سواء ما يتعلق ذلك بالجانب الروحي للشهيد او في مواقفه وأرائه وتحدياته الأمر الذي يحتار الواصف من سرد وصف الشهيد (قدس سره) خاصة في خصوصيات الذاتية.

لقد كان استاذنا الشهيد نموذجاً رائعاً في القول والفعل وقدوة نحتذي بها وامثولة لنا في الصبر والحلم والأخلاص والأحترام والمعاملة لذلك لايمكن ابداً من الوقوف على خصوصايته الاخلاقية من خلال هذه الاسطر المقتضبة.

 

الروح الخلاَقة:

●  من خلال معاشرتكم للشهيد كيف تقََيمون شخصيته الذاتية وعبقريته العظيمة؟وماهي منابع عبقريته؟

ان تقييم شخصية فذه كشخصية شهيدنا السعيد امر في غاية الحرج والصعوبة وتقييم الذات اكثر صعوبة واكبر عناءا لكن موافق الموصوف الذي نحن بصدده وقدراته وحركات الفقيد وشجاعته وكفاأته واطروحاته تعطينا صورة اولية عن عظمة ودراية وعمق فقيدنا ويضعنا امام تقييم واقعي وحقيقي لسماحته رضوان الله عليه لذا فلا يمكن تحديد تقيمنا عنه من خلال اثاره فقط وانما الروح الخلاقة التي كانت للشهيد.

 

الود والحب تعامل الشهيد:

كيف كان يتعامل مع الناس عامة وزائريه وضيوفه؟

كان اية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي لايميز بين القريب والبعيد من الناس فكلهم كانوا اخلائه واودائه وهذه السمة ان دلت على شئ فانما تدل على عمق ارتباط فقيدنا بالله سبحانه وبحق كان من العباد المؤمنين الصالحين، فرقَة كلامه وسلاسة اسلوبه (قدس سره) كان رمز قوة شخصيته وانجذاب الاخرين له سواء اصدقاءه او ضيوفه او زائريه بحيث كل يؤثر في المقابل تاثيرا يكاد ان يجعل من زائره وضيفه او صديقه  يستغرق في محبته ومودته والتعلق به ويمكن تعليل ذلك من خلال حب الشهيد للاخرين وصدق مودته لهم تجعلهم يبادلون الشعور حتى وان كانوا غافلين عن ذلك.

 

ذهنُ وقاد وارتكاز على مبادئ السماء:

●  لكل مفكر قيم ومبادئ يرتكز عليها فما هي الطموحات و الاهداف والافكار التي كان الشهيد يرتكز عليها؟

قيم السماء اكبر واعظم من ان تحدد في خلد المصلحين فيصحبوا كذلك كبارا واعاظم فسماحة الشهيد كان كبيرا بفكره عظيما في تطلعه وطموحه قديرا في التعبير عن اماله وتحقيق اهدافه لذلك ماكان للطاغوت ان يتحمل وجوده  رغم كونه بعيدا عنه فاثار المصلحين سلاح في وجه المفسدين ووجودهم رعب للحاقدين وفكر الشهيد(قدس سره) كان وقادا بحيث ان اثاره تدلل على ذلك.

 

همه الإسلام كله:

●  هل كان الشهيد(قدس سره) يحمل هموما وآلاما تجاه العالم الإسلامي؟

لولا هذه الهموم والآلام ما كان لفقيدنا العزيز منطلق لحشد طاقته وتسخير قدراته وبذل نفسه الى الحد الذي نتلمس اليوم بركات دمه الطاهر الذي سفك ظلما وعدوانا.وعليه فان الشهيد كان يروم العالم باجمعه قبل العالم الاسلامي والاخير قبل أي بقعة او بلد او مدينة وانه ماكان يدخر جهدا من اجل نشر مذهب اهل البيت عليهم السلام والفكر الاصيل للاسلام  الرسالي والذي هو المعلم الحقيقي لهمومه وآماله رضوان الله عليه.

 

اخلاص الاصدقاء:

●  من هم أصدقاء الشهيد ومن هم أعوانه في أعماله؟

الله سبحانه وتعالى قد وهب الشهيد عونا خاصا قبل إن يكون للفقيد أعوان وأصدقاء فالجميع هم أحباب الشهيد وأصدقائه إما الأعوان فإنهم الملتزمون بنهجه وسيرته وأخلاقه وان هؤلاء وان عدوا أنفارا لكنهم حفظوا للشهيد عهده وذمته.

 

البيئة الصالحة:

●  في أي بيئة تربى؟وكيف تعامل الأسرة معه بدءا من والده المرجع وأخيه المجدد؟

عرفت اسره الشهيد باعرق اسره علمائية ومرجعية في العراق فكان ذلك كافيا للشهيد ان يرتشف من منهل النبع الصافي لعلوم اهل بيت  العصمة والطهارة ليكون الخلف الصالح لاجداده الميامين وابائه الطاهرين.

تربى الفقيد الغالي في بيت والده المرجع الديني اية الله العظمى السيد الميرزا مهدي الشيرازي مع اشقاء له اعلاما في المنهج والسلوك سيما شقيقه الاكبر سماحة اية الله العظمى المرجع الديني محمد الشيرازي (قدس سره) واخيه المرجع اية الله العظمى السيد صادق الشيرازي الذين عرفت الساحة الدينية المقدسة عطاء اتهم الزاخرة وقدراتهم العلمية الفائقة.

 

مُداراة الخصوم:

●  كيف كان تعامله مع خصومه؟

لقد كانت من سمات السيد الشيرازي انه لين العريكة خاصة من خصومه وتعامله معهم كانت معاملة المشفق الحنون والاب الرحيم ولولا هذه الصفة لما تمكن من شق اصعب طريق ومسلك في واقع القهر والظلم والطغيان ووسط حشود من المثبطين المتقاعسين والمنتقدين. ان مداراه خصومه كانت سببا في كسب مواقفهم وتحديد نوازعهم والتخلص من مكائدهم خاصة اولئك المنحرفين عن جادة الصواب وخط اهل البيت عليهم السلام.

 

زهد العلماء:

●  ماذا كان ماكله ومشربه وملبسه؟واين كان يسكن؟

اصحاب العلم والمعرفة يتبصرون بزهدهم  ويتقربون الزلفى بجشومة عيشهم وخشونة مقاصدهم فلا يبالون في الماكل والمسكن والمركب والمظاهر .فقد كان استاذنا الفقيد نموذج في هذا المجال مقتديا بالرسول الاعظم واله صلوات الله عليهم وبقدر ايمانه برسالته واهدافه واماله كانت مساكن في الحياة وكلام امير المؤمنين عليه السلام نصب عينه «الا ان الشجرة البري اصلب عودا وارق جلودا» لذلك كان استاذنا الفقيد متواضعا في ماكله وملبسه وعيشه.

 

علو الهدف:     

 مع ان الملايين من الاموال كانت تصل بيده كيف كان يعيش زاهداً حتى لايملك اجرى التكسي؟

المال لا يُعادل بالغايات وانما الهمم الشامخة والتوفيقات الربانية السابقة هي غايات المصلحين من اجل تحقيق وعد الله في الارض وليست الاموال التي هي وسائل دنيا ودنية وانحطاط ان تصبح غاية المصلحين بل وسيلة من اجل الانفاق في الوجوه الحقة والاعمال التي تكون ملك هذه الامة وحقها ولاغرابة مما نجد من الملايين التي كانت تصل الي يد شهيدنا الغالي وهو لا يملك واسطة يتنقل بها من اجل كل هذا العمل الجم والعطاء الزاخر خوف من حساب الله وعقابه في الدنيا.

 

التفنن في التعذيب:

●  ما هي انواع التعذيب التي لاقاها السيد في سجون العراق؟وما هي الاثار التي تركها التعذيب على جسده؟

لقد لاقى سماحته اقسى انواع التعذيب والتنكيل والبطش على ايدي عصابة البعث المجرمين حتى بانت عليه آثار جليه حرمته من ابسط حقوقه في الحياة الا وهو الزواج، ان نظام العفالقة كان يفهم خطورة هذا المجاهد المقدام والمؤمن المبدئ  والرسالي الاصيل لذلك عالج بهذا النوع من التعذيب جسد الشهيد للقضاء عليه وهذه شيمة الاعداء بحسب استيعابهم لمظاهر الامور انهم قادرون على استئصال انوية الثورة وقادتها قبل استفحال امرهم وتصلب شوكتهم لذلك عانى السيد الشهيد كثيراً من نتائج ما لاقاه في سجون البعث وزنزاناته.

 

الطلبات المستحيلة:

●  ماذا كانوا يريدون منه تحت التعذيب؟

كان الجلادون يريدون من سماحته ما يلي:

‌أ. التنازل عن مبادئه.

‌ب. التخلي عن اهدافه.

‌ج. الكف من نشاطه.

‌د. عدم ترويج افكاره. لان الاعداء يفهمون جيداً الافكار الاسلامية الرسالية ويميزونها عن الفكر الاسلامي الخانع المتحجر.

‌ه. حسر حركته.

‌و. تحديد علاقته

والى ما شابه ذلك من مطالب مشتركة للطواغيت من كل مصلح.

 

إطفاء نور الهداية:

●  ما هي الاسباب وارء اغتياله في بيروت؟

تنفيذ ارادة الطاغية (النقطة 17) عملياً واطفاء شمعة الهداية التي كان الناس يهتدون بها في ظلام الجاهلية الجديدة ولذلك قام النظام البعثي بتصفيته وافكاره واثاره وعلومه وأدبه.

 

الأسلوب الامثل:

●  كيف استطاع ان يكتب هذه الكتب العميقة مع كثرة مشاغله وأعماله؟

تأليفات استاذنا الشهيد كانت نتاجات حية للوجه الثاني لدروه الريادي في الساحة الاسلامية على امتدادها ووسعها فكان قائد ميداني متبصر بما يحتاجه الناس في امراضهم الروحية المزمنة بسبب النقص الحاصل لهم نتيجة اصابتهم الفكرية وامراضهم الثقافية وتلوث ذواتهم وارواحهم هذه الامراض العضال فكان يودع في النفوس من خلال مؤلفاته علاجات جاهزة فكرية وثقافية وادبية وسياسية لسد ما يعاني منه المسلمين انذاك وحتى هذا اليوم لذلك كان من الاسلوب الامثل لتأدية الدور الموضوعي والنظري بعدما ادى الجانب الوضعي والعملي في الساحة والميدان لتكتمل رسالته في تحقيق اغراضها المطلوبة.

 

القضاء على إسرائيل:

●  كيف كان ينظر الامام الشهيد الى مقاومة العدو الصهيوني وقضية القدس؟وما هي مساهمته في هذا المجال؟

كان الشهيد السعيد يرى في اسرائيل انها غدة خبية ومرض عضال لابد من تخليص المسلمين من شر وجودها مهما كانت الاثمان وبلغت التضحيات وكان ايمانه هذا حافز له في لقاءاته مع كبار علماء المسلمين والمسيحين والدروز والعلويين لخلق جبهة موحدة لتعبئة الرأي المحلي والاقليمي ومن ثم الدولي ضد اسرائيل وحليفتها المتفرعنة اميركا.

ولكن يد الغدر والعدوان حالت دون مواصلة هذا القائد الفذ لاطروحاته الكبرى في العمل من اجل تخليص القدس من براثن العدو الاسرائيلي الغاصب.

 

لا للطواغيت:

كيف كانت معارضته لحكومته الشاه في ايران؟

ان اسرة آل الشيرازي من حكومة الطاغوت كانت معروفة ولازالت واضحة خاصة طواغيت الدول والممالك الاسلامية وحكومة بهلوي هي واحدة من هذه الحكومة الضالة الظالمة للمسلمين في العالم وان اقطاب هذه الاسرة كانوا دائما يحاولون من كشف زيف وادعاءات نظام الشاه المقبور ولا ادل على ذلك من الاستقبال الحاشد الذي قام به سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (طاب ثراه) للامام الخميني عند نفيه للعراق ومجيئه الى كربلاء المقدسة واقيمت احتفلات بهيجه بخلاص الامام من الاحتمالات التي كانت متوقعة له من قبل عناصر الساواك انذاك، وان اول من لقب سماحة السيد الخميني بالامام هو الفقيد آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (قدس سره) وذلك قبل منتصف الستينات.

 

الفكر الوهاج:

●  ما هي افكار الشهيد الاستراتيجية؟

افكار الشهيد الفقيد (قدس سره) يمكن ملاحظتها من خلال مؤلفاته وآثاره واستقراء الحقائق التالية منها:

‌أ. افكار نهضوية تدعوا الى اقامة صرح الدين الحنيف من خلال تطبيق احكامه والتمسك بمادئه.

‌ب. افكار تربوية تفيد التربية المعنوية والسلوكية للفرد المسلم بشكل عام.

‌ج. افكار رسالية نابعة من القران الكريم ومنهج اهل البيت عليهم السلام.

‌د. افكار ثقافية تساعد على:

اولاً- نشر الروؤى القرآنية التي تهم المجتمع والفرد.

ثانياً- التخفيف من حالة التجهيل الثقافي في الامة.

ثالثاً- اعتماد الثقافة كأساس لدرك الواقع المتخلف.

رابعاً- الثقافة الرسالية للفرد والاسرة والمجتمع والامة.

الى آخر الافكار التي يمكن ان تستقرءها في نتاجات الشهيد السعيد. والتي يمكن اعتبارها استراتيجية ومصيرية بالنسبة للآخرين.

 

المرجعية هي الحل:

●  ما هي نظريته الى دور المرجعية في الامة؟

كما ذكرنا بأن الفكر النهضوي للأمة عبأ لا يقوم به الا العلماء ومراجع الدين ابتداء من نشره والى قيام صرحه لأن ما يقابل ذلك افكار الحكومة الدنيوية والتي لها انصارها ومريديها الكثير الكثير ، لذلك فان الثقل الاكبر الذي يقع على عاتق العلماء والمصلحين المؤمنين منم ابناء البلد أو المجتمع أو الامة.

لذلك كان شهيدنا يسعى في ان تتصدى المرجعية الى قيادة الأمة روحياً وثقافياً وسياسياً فالحوزات العلمية تزخر بالكفاءات الشابة التي تستطيع ان تبلغ عن هذه الرسالة وتجعلها انموذجاً مقوبلاً في عالمنا الاسلامي على الاقل.

 

الحكومة الإسلامية:

●  ما هي نظرته للشكل الذي يجب ان تكون عليه الحكومة في العراق؟

الشهيد السعيد يرى في الاسلام وحكومة الاسلام وسيلة الخلاص للأمة من كل اشكال العبودية والقيم والاندحار فبالاسلام يستطتيع الشعب العراقي ان يقهر اعداء دينه ووطنه وكما يعبر شهدينا الشاعر بقوله:

                         ويل العراق فليله لن ينقضي             حتى تقوم حكومة الإسلام

 وهو تشخيص رائع ودقيق لما يرسمه الشاعر في مخيلته والتي يستحدها من أعماقه في سبيل تحقيق علاج الشعب العراقي بهذا النوع من العمل.