لقاء مع الشيخ كامل حاتم

اللقاء: الثالث.

الشخصية المحاورة: سماحة الشيخ كامل حاتم.

المكان: سورية، اللاذقية، بلدة مشقيتا.

التاريخ: 5/8/2005م ـ 9/رجب/1426 هـ.

 

المقدمة

العلويون شيعة أهل البيت عليهم السلام  

هذا البيان الذي اصدره سماحة آية الله السيد حسن الشيرازي قدس سره بحق الشيعة العلويين في سوريا ذلك البيان الذي غير معالم التشيع في بلاد الشام قاطبة عام 1972م وللوقوف على ذلك البيان الذي يمثل مرحلة مهمة من مراحل حياة الشهيد الشيرازي استضفنا احد الموقعين على ذلك البيان الا وهو سماحة الشيخ كامل حاتم احد الأعلام الكبار في الساحل السوري.

نبذة عن حياة المحاور

ولد فضيلة الشيخ كامل حاتم عام (1920م) في قرية بسنادا من منطقة اللاذقية.

وكان من المشاركين البارزين في البيان الشهير الذي طبع في لبنان عام (1972م) من قبل الشهيد السيد وسماحة الشيخ كامل حاتم هو اليوم إمام وخطيب جامع مشقيتا، ويحتل موقعية التصدّي للأمور الشرعية والدينية والاجتماعية لأبناء مدرسة أهل البيت عليهم السلام في الساحل السوري.

 بدية التعارف

شيخنا الجليل متى كان أول لقاء مع السيد الشهيد قدس سره؟

أستطيع أن أورد ملخص عن تعارفي ولقاءاتي الكثيرة المتعاقبة مع حجة الإسلام ورجل المثالية والجهاد، سماحة السيد حسن مهدي الشيرازي ذلك العلامة الكبير والصديق الصدوق والأخ الصفي الوفي وأن أول لقاء بيننا وحصول تعارفنا كان في مقام السيدة زينب عليها السلام  بمناسبة إحدى زياراتي لهذا المقام الشريف، ثم تتابعت اللقاءات الميمونة المتعددة في منزلي بقريتنا مشقيتا، وفي مسجد مولانا الإمام علي زين العابدين عليه السلام  المشاد بذات القرية، وفي اللاذقية وجبلة وبانياس ودمشق والكويت ولبنان ومكة المكرمة بمناسبة قيامي بفريضة الحج المقدسة، وإنني في جميع من التقيت بهم من علماء وأدباء وشخصيات بارزة مرموقة لم أجد من يفوقه إن لم أقل من يضاهيه لطفاً وتواضعاً وسلامة وسعة صدر، إنّ جليسه مهما كانت مكانته أو نوعيته ليجد نفسه ويحسّ كأنه يقف أمام أبيه أو أخيه، وإنك مثلاً لو تعمّدت إزعاجه أو الإساءة نحوه لا يقابلك بشيء من مثله، وبذلك يكون أخذه وتطبيقه وفق مضمون قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن).

وقول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: «عاتب أخاك بالإحسان إليه واردد شرّه بالإنعام عليه».

وتلك صفات ومزايا اكتسبها بتأسيه وإقتدائه بالمصلح الاجتماعي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم  وآل بيته الأطهار عليهم السلام.

المربع الذهبي

شيخنا العزيز ما الذي تمثله أسره الشيرازي بالنسبة أليك؟

وبالنسبة لي فقد كنت أعتبر أسرة الشيرازي الفاضلة الشريفة المؤلفة من أربعة إخوة أشقّاء سماحة المرجع الديني الأعلى المجدّد محمد مهدي الشيرازي، وسماحة السيد حسن الشيرازي، وسماحة السيد صادق الشيرازي، وسماحة السيد مجتبى الشيرازي، كنت أعتبرهم بنفسي إخوة أشقاء أكنّ لهم كلّ الودّ الخالص والتقدير الفائق.

 

الإناء ينضح بما فيه

شيخنا الفاضل كيف كانت نظرة الشهيد إليكم بإعتباركم علويين؟

إنّ معظم علماء الشيعة الإمامية كانوا ينظرون إلى إخوانهم العلويين الذين يلتقون معهم على صعيد الولاء والمذهب نظرة ارتياب وحذر نتيجة ظنهم واقتناعهم بأنهم يقولون ويعتقدون بالغلو.

أما السيد حسن الشيرازي فقد كان على النقيض من هؤلاء فقد كان ينظر إلى إخوانه العلويين نظرة حب وحنان وإخلاص، وأذكر أنه لما قام بزيارتي لأول مرة في منزلي، وكنت قد هيّأت عدداً من إخوان القرية لاستقباله، ثم الصلاة وراءه وقت الظهر، وحينما ألقيت كلمة ترحيبية بمناسبة تشريفه منزلي وقريتي بزيارته الميمونة تلك أجاب عليها بكلمة شكر كان من جملة ما قاله بها رحمه الله: إنني أهنّئ شعبك بك كما أهنئك بشعبك.

وعندما قمنا بوضع بيان عن العلويين  بعنوان: (العلويون شيعة آل البيت عليهم السلام) قام سماحته بالتقديم له، وأثبت في مقدمة البيان صحّة اسلاميتهم وتشيّعهم لآل البيت عليهم السلام  الطاهر، وأنهم في الصف الأمامي والخواص بين المسلمين والشيعة.

الكتاب المفقود

شيخنا ما هي قصة الكتاب المفقود؟

الحقيقة إني اتفقت معه على أن يقوم بالتقديم لكتابي (الموجز المبين في معرفة أصول وفروع الدين) على مقتضى المذهب الجعفري في العبادات والمعاملات، ويطبعه في لبنان على نفقته الخاصة، وقد تسلّم مني نسخة مخطوطة لهذه الغاية، ولكن يا للأسف ضربت مكتبته في بيروت أثناء أحداث لبنان المأساوية، واغتيل إثر ذلك على أيدي رجال الإرهاب والإجرام، ويقال أنّ الذي دبّر على اغتياله ويا للحسرة عليه الطاغي الباغي صدام حسين رجل الجور والعدوان، بحيث أنه كان هو وأخوه المرجع الديني المجدّد السيد محمد مهدي الشيرازي أول من وقف في وجهه ضد ظلمه وإرهابه في العراق، ولقد حزنت وتأثرت عليه كثيراً، إذ فقدتُ فيه أخاً وصديقاً حميماً، كما خسره العلم وميادين الجهاد والإصلاح والتوجيه..

ورثيته بقصيدة شعرية ألقيتها مرتين مع كلمة نثرية بمناسبة الحفلة التذكارية التي كانت تقام له في الحوزة العلمية الزينبية التي قام بتأسيسها في دمشق.

جهاد منذ الصغر

شيخنا العزيز ما هو تقويمك لجهاد السيد الشهيد الشيرازي قدس سره؟

إنه ليصحّ أن نطلق على الإمام حسن الشيرازي بالمجاهد والمصلح الاجتماعي البارز إلى جانب العلامة والمجتهد الكبير، إذ أنه بدأ عملية الجهاد في سن مبكر، وقف في صف المعارضة ضد البغي  والطغيان منذ أن كان طالباً في المدرسة حتى قيل لي أنه كان من جملة المعارضين لسياسة نوري السعيد إبان حكمه في العراق.

لقد عانى وذاق ألوان العنف وضروب القسوة مع أخيه المجتهد الكبير السيد محمد مهدي الشيرازي (تغمّدهما الله بغفرانه) من قبل السفّاك السفّاح صدام حسين، إلى أن قيّض لهما الخلاص من سجنه، فاستوطن أخوه على ما أخبرت في الكويت، وربما كان يقيم أحياناً في إيران، ورحل هو إلى سوريا متنقلاً بينها وبين لبنان، وقد قام بمعيّة سماحة أخيه المجدّد بإنجاز كثير من مؤسسات تربوية وثقافية ودينية في كل من العراق وسوريا ولبنان وأوروبا واستراليا وأفريقيا، كما ألّف الكثير من الكتب الفكرية والإسلامية، وساهم بحجم كبير في ما يتعلّق بنجاح الثورة في إيران.

التشييع المهيب

(مظاهرة سبعة كيلومتر)

إن الشهيد قد نقل عقب استشهاده من بيروت إلى مقام السيدة زينب عليها السلام  في دمشق، ومنه إلى مكان دفنه في مدينة قم المقدسة من إيران، وذكر أنه كان في استقبال جنازته جماهير غزيرة، وهنالك شيّع على المستويين الرسمي والشعبي، وكان التشييع يضمّ أعداداً هائلة من البشر حتى بلغ طول مسافة التشييع سبعة كيلو مترات، وتنقلب المسيرة إلى مظاهرة عارمة وعنيفة، تنطلق فيها الحناجر بالوعيد والتنديد بالعملاء والخونة الذين كانوا وراء عملية الاغتيال، ويستمر التشييع قرابة ست ساعات، ويشارك فيه الشخصيات الدينية والسياسية في إيران.

مكة ملتقى العلماء

كيف كان لقائكم بالشهيد في مكة؟

 أثناء ذهابي إلى أداء فريضة الحج المقدسة عام (1977م الموافق: 1397هـ)، وبينما أنا هنالك في مكة المكرمة إذا بي ألتقي بشخص أعرفه بصحبته للإمام السيد حسن الشيرازي، وبعد تبادل السلام بيننا أخبرني بوجود السيد في مكة وفي مكان قريب من محل وجودنا، فسررت جداً لهذا النبأ الطيب والمصادفة الجميلة، وحضرت مجلس السيد واستقبلني بحرارة واشتياق كعادته النقية، ورأيت حوله مجموعة من العلماء والشباب المثقفين من شتّى الأقطار من باكستان وأفغانستان وإيران والعراق وسواها، وأخذ يعرّفهم إليّ ويعرّفني إليهم بلهجته اللطيفة وبيانه  الساحر، ثم أخذت بدوري بالتحدث معهم بالصورة المعبّرة عمّا نحن عليه من تمسّك واعتقاد سليم بمبادئ الإسلام أصولاً وفروعاً سيراً على ضوء أقوال وأفعال أئمة آل البيت عليهم السلام الصادقة الصحيحة، وقد لمست من جانب السيد الشيرازي ارتياحاً وسروراً لحديثي، وكانت الابتسامة بادية على وجهه النقي الجميل، مع الإشارة إلى أنّ حصول هذا مني لم يكن أنانية أو تفاخراً وإنما هو إثبات موجودية ومحاولة لمحو الصورة القاتمة التي قد يحملها بعض المستمعين عن إخوانهم العلويين بناءً على ما يسمعونه من أفواه وأقوال المغرضين، ويقرأونه من كتابة ودعاية المفتئتين الجائرين، وأخذت أتردّد إلى مجلس السيد الشيرازي عدة أيام، ونحن على درجة كبرى من الارتياح والبهجة.

الشيرازي وإصلاح ساحل العاج

شيخنا حبذا لو تحدثنا عن بعض إصلاحات الشهيد في أفريقيا؟

ذات يوم وبينما نحن نتجاذب أطراف الأحاديث مع الحضور في جو من الوئام، إذا به يدخل علينا شاب أفريقي من مدينة ساحل العالج، فنهض الإمام الشيرازي ونهض معه الجميع لاستقباله، ورحّب السيد بمقدم الشاب أجمل ترحيب، وبعد أن استقر بنا الجلوس أخذ يسأله بكل اهتمام وجدية عن أحوال البلد عندهم وأهله، إذ سبق للسيد التعرف إليهم من خلال زيارته لساحل العاج، وبعض البلدان الأفريقية التي قام بها على سبيل التفقد والتوجيه والإصلاح الديني، وبينما هما أي السيد والشاب الأفريقي يتداولان الكلام مع بعضهما إذا بالشاب يخرج من محفظته ورقة كان قد ضمنها بعض الأسئلة، وتوجّه إلى السيد أولاً بسؤاله له عن أعمال العمرة وأعمال الحج كم هي؟ وما هي؟ فأجابه: إني أحيلك على الشيخ مشيراً إليّ للإجابة على سؤالك هذا. وكنت جالساً على شماله، فبادرته بالقول: إنه وجّه السؤال إلى سماحتك لا إليّ. فقال: هو سألني وأنا أحلته عليك، وهل من فارق بيننا. عندئذ أجبت الشاب على سؤاله بالتفصيل، ثم قلت له: أكمل أسئلتك مع السيد. فتوجّه إليه بسؤال أو اثنين على ما أتذكّر، وبعد الإجابة التفت نحوي قائلاً: أستاذي ما رتبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام؟ فأجبته: إنهما يعتبران من توابع الجهاد، وأنّ من يمارسهما ويعمل لهما يعدّ مجاهداً. فقال: إذا كان الأمر كذلك فلماذا أنتم سادتنا العلماء لا تحضرون بلدنا ساحل العاج فتقومون بهذا الجهاد المقدس فيحصل لكم بذلك أي بمارسته الأجر المخصّص له من قبل الباري تعالى.

دعوة للإصلاح

وأردف قائلاً: ويقتضي حضوركم بلدنا لما عليه الشعب عندنا من تخلف وجهل في أمور الدين والتدين، فهو حديث عهد في اعتناقه الإسلام، إذ كانت تسيطر عليه حياة الوثنية والعقائد الفاسدة، وإنّ أبي كان وثنياً ثم اعتنق الإسلام.

فأجبته وأنا معجب بسؤاله وحقانية طلبه: إنّ سؤالك وجيه وصحيح جداً، وهذا ما أوده وأعمل له كمختص واختصاص ولو كانت الإمكانات المادية متوفّرة لديّ لما كنت أتأخّر عن حضور بلدكم والعمل لهذا الغرض النبيل الذي تشير إليه.

الشيرازي والبعثة الأفريقية

وهنا التفت السيد الشيرازي وهو على يميني يستمع إلى حديثي مع الشاب، وسألته قائلاً: سماحة السيد، لماذا لا توفدون موجّهين من قبلكم من أهل العلم والفقه إلى تلك البلاد المتخلفة لبثّ تعاليم الإسلام والدعوة إلى ما تقتضيه من خير وصلاح ووئام، خصوصاً وأنتم آل الشيرازي الكرام من كبار مراجع الدين الإسلامي الذين تتوفّر لديهم القدرات والإمكانات المادية والمعنوية لإنجاز ذلك. فأجاب: لقد سبق لنا وبعثنا إليهم أحد العلماء للقيام بأمور التوجيه والتفقيه في أوساطهم واسمه على ما أتذكر الشيخ رشيد ونسيت الكنية.

لولا السنتان لهلك النعمان

الحقيقة سألت الشاب الأفريقي وأنا أظن أنه من إخواننا أهل السنة: وما هو المذهب الإسلامي الشائع عندكم؟ فأجاب: ليس عندنا مذاهب وإنما الإسلام. فقلت له: أتحب أن أدلّك على خير المذاهب وأفخرها وأسماها إنه المذهب الجعفري وبينت له أن الإمام جعفر الصادق عليه السلام  إمام هذا المذهب الشريف وهو حفيد الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم  وأستاذ أئمة المذاهب الأخرى كافة، وكلهم أخذوا عنه واستقوا من فيض علومه وثقافته الإسلامية الرائعة، حتى أنه روي عن أبي حنيفة النعمان أنه قال: «لولا السنتان لهلك النعمان». ويريد بالسنتين المدة التي تلقّى بها العلم والفقه عن الإمام الصادق عليه السلام، وعن مالك أنه قال:«ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أجلّ وأسمى وأفقه من الإمام جعفر الصادق عليه السلام».

وقال الشافعي نظماً:

 

فرضٌ من الله في القرآن أنزله
من لم يصلي عليكم لا صلاة له

يا آل بيت رسول الله حُبّكم
يكفيكم من عظيم القدر أنكم

ثم انتقلت إلى التكلم عن امام البلغاء وسيد المتكلمين أمير المؤمنين علي عليه السلام  وتلوت له بعضاً من أقوال الفقهاء والعلماء والشعراء والأدباء فيه، أمثال الشافعي، وابن أبي الحديد المعتزلي، وأمير الشعراء أحمد شوقي، وبولس سلامة، وجورج جرداق، وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، وشبلي الشميّل، وختمت كلامي بهذا الصدد بكلمة الشيخ محيي الدين الخياط حيث قال: لئن فاخر اليونان بديمستينوس، والرومان بشيشرون، والافرنسيس بفولتير، والانگليز بملتون، والايطاليون بدانتي، فنحن العرب نشمخ بأنفنا بالإمام العظيم والعربي الصميم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ربّ الفصاحة والبلاغة على الإطلاق.

في رثاء الأخ الصفيّ العلامة الشهيد السيد حسن مهدي الشيرازي الموقّر، تغمّده الله بواسع رحمته.

يا شهيداً

 

أنه السّباق في مضماره
   عطّر الأجواء من أزهاره    
   أنه الحسن النّقي بنجاره    
   إصلاحه وجهاده وثماره   
 

يا شهيداً شهد العلم له
       وربيعاً مشرقاً في كوننا      
      كربلاء تنعي حسيناً ثانياً     
      ساحل العاج فسل تنبئك عن   

 

الشهيد الشيرازي والعلويين

لقد زار الشهيد السيد حسن الشيرازي مناطق العلويين، حبذا لو تحدثنا عن الزيارة؟

إن الشهيد السيد حسن الشيرازي (رحمه الله) زار مناطق إخوانه العلويين أكثر من أي عالم من علماء المسلمين، والتقيت معه أكثر من أية شخصية دينية أخرى في العالم الإسلامي.

لقد زارني في منزلي مرات عديدة، وحصلت بيني وبينه صداقة حميمة يندر حصولها بين اثنين، وقد حزنت لفقده حزني على أحد أخواتي نسباً، وإن ذكريات لقاءاتي واجتماعاتي معه لا تنسى، خصوصاً منها ذلكم اللقاء السعيد في مكة المكرمة أثناء قيامي بفريضة الحج المباركة سنة (1977م)، إذ اتخذ فيها دارا باسم أخيه السيد محمد الشيرازي كانت تؤمها للقاء معه العلماء والشخصيات البارزة من مختلف أقطار العالم الإسلامي، وقد حضرت مجلسه لعدة أيام كنت أتكلم وأتحدث خلالها بمواضيع إسلامية عامة، وكنت أنظر إليه مع شديد أسفي عليه وهو يهتز طرباً وإعجاباً بحديثي آنئذ شافعاً ذلك بقوله أجدت، أحسنت ..

الشهيد يشيد بنقاء وصفاء العلويين

وقد عبرت عن هذه الذكريات في أحد أبيات قصيدتي التي قلتها في رثائه، ثم في لفيف هذه اللقاءات التي حصلت بيننا في أماكن عديدة ولسنوات عديدة لم أسمع منه أية ملاحظة أو تعليق نحو إخوانه العلويين. بل على العكس فقد كان يشيد بهم ويعترف بنقاء إسلاميتهم وتشيعتهم، وخير شاهد ومؤكد لصحة قولي هذا ما جاء في مقدمته الرائعة للبيان الذي سبق أن أصدرناه ونشرناه باسم (المسلمون العلويون شيعة أهل البيت) ووقعه ثمانون عالماً من علمائهم ووجهائهم في الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية، قال:

«لقد وفقني الله تعالى لزيارة إخواننا المسلمين العلويين في الجمهورية العربية السورية من 3/شعبان /1393هـ، ثم زرت إخواننا المسلمين الشيعة في طرابلس لبنان، وذلك على رأس وفد من العلماء بأمر من سماحة الإمام المجدّد المرجع الديني السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره.

فالتقيت بجماعة من علمائهم ومثقفيهم ومجموعة من أبناء المدن والقرى في جوامعهم ومجامعهم، وتبادلنا معهم الخطب والأحاديث، فوجدتهم كما كان ظني بهم من شيعة أهل البيت الذين ينتمون بصفاء الإخلاص وبراءة الإلتزام بالحق...».

إلى قوله: «هذا البيان الذي يقدمه إلى الرأي العام أصحاب الفضيلة من شيوخهم هو واضح وصريح لأداء دلالتين:

دلالتان على صدق العلويين

الأولى: أن العلويين هو شيعة ينتمون إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام  بالولاية وبعضهم ينتمي إليه بالولاية والنسب كسائر الشيعة الذين يرتفع انتماؤهم العقيدي إلى الإمام علي عليه السلام  وبعضهم يرتفع إليه انتماؤه النسبي أيضاً.

الثانية: أن العلويين والشيعة كلمتان مترادفتان مثل كلمتي الإمامية والجعفرية، فكل شيعي هو علوي العقيدة، وكل علوي هو شيعي المذهب... الخ».

موجه ومرشد وداعي إلى وحدة الكلمة

إنه (رحمه الله) لم يقف عند حد زيارته لإخوانه العلويين في سوريا ولبنان فقط، فقد زار حسب ما حكي لي عدة مدن من عدة أقطار إسلامية وعربية، قام فيها ببث التوجيه والإرشاد والدعوة إلى وحدة الكلمة، من جملتها ساحل العاج في أفريقيا، وقد التقيت بوجه من وجوه ساحل العاج في مجلسه بمكة أثناء رحلته وحصل بيننا نقاش جميل وممتع ابتهج له الحضور، ولمتانة الصلة الودية التي حصلت بيني وبينه فقد وعدني بإعادة طبع كتابي (الموجز المتين في العبادات والمعاملات على مقتضى فقه الإمام جعفر الصادق عليه السلام) بعد وضع المقدمة له من قبله، ولكن ويا للأسف والحسرة عليه فقد حال دون إنجازه ذلك حصول اغتياله بيد الغدر والإثم والنذالة، وقد تأثرت لرحيله بدرجة قصوى.