كتاب اجتماعيات الإسلام انعكاس عظمة الإسلام وشموليته

 

 

لسماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني الشيرازي حفظه الله

الأمر المتسالم عليه لدى العقلاء والذي لا يشوبه الشك قريباً أو بعيداً هو ضرورة وجود قانون شامل منظم لحياة المجتمع وعلاقاته أي فيما بين الأفراد بعضهم البعض، ضمن هذا الإطار تقوقعت القوانين الوضعية والتشريعات الإنسانية، في ذات الوقت الذي توسعت فيه الشرائع المقدسة سيما الشريعة الإسلامية السمحاء ليشمل تنظيمها لعلاقة الفرد مع ربه ونفسه وغيره وبيئته لتكون بذلك أكبر وأوسع قانون عرفته البشرية فلا يترك جُزيئة إلا وأحصاها حكماً ونظمها تشريعاً ومن يطلع على موسوعات الفقه الإسلامي ليجد الأمر واضحاً ومازال التوسع والاستنباط على قدم وساق وبشكل مذهل مثبت عظمة الإسلام ورجاله والقوامين عليه فمن قواعدهم الكلية توسعت الأحكام الجزئية فإن لله في كل واقعة حكم.

 ومن هنا نكشف سر النمو السريع والتطور الهائل الذي حققته الدول الإسلامية منذ أن قعَّد أُسُسها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وحافظ على كيانها الأئمة الهداة من ذريته سلام الله عليهم رغم المحن والآهات والعواصف السياسية التي عصفت منذ الأيام  الأولى لرحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وإلى أن بلغت الدولة مداها الأرحب.

القانون الإسلامي أخذ على عاتقه مهمة النهوض بالفرد والأمة ليكونوا أسياد العالم ولقد تحقق ذلك بالفعل لولا الأهواء المتبعة لجهلاء  الأمة ومدعي السياسة والفقاهة فقضت أعمالهم بأن تحتضر الأمة وتتقهقر مستعبدةً بعد تمزق أشلائها قطعاً صغيرة وإمارات ضعيفة.

فبدأت مراحل الضعف وشيوع الفقر والعوز والفاقة وتحكم القوى العالمية الناهضة يومها بمقدراتها بواسطة جواسيسها وعملائها فما أن يهلك عميل حاكم إلا وأخلف أخر أشد عمالة وأكثر جهلاً متبعاً هوى أسياده عاملاً في الأمة أمراضاً وجهلاً وأبعاداً عن سر النهوض الأصيل، القانون الإسلامي المحمدي الخالد فعلى أثر ذلك ظهرت دعوات شخصت الداء ووضعت العلاج إلا أنها لم تكن بالمستوى المطلوب للإنصات إلى دعواها، فظهرت المطالبات بوضع دستور وقوانين تنظم شؤون الأمة الممزقة الأشلاء فلكل دولة قانون هو بالحق مستورد من دول غربية وشرقية مختلفة ليكون القانون الهجين هو الحاكم، ليزيد الطين بلة كما يعبرون، وبذلك ضمن الأعداء بقاء الأمة ممزقة ضعيفة تابعة لدولهم و لاستكبارهم.

ومن هنا نقول: إن أرادت الأمة الإنبعاث من جديد قويةً موحدةً حاملةً رسالة السماء متزعمةً للعالم قاطبة لا بد لها من التقهقر إلى العمل بالقانون الإسلامي وبالضرورة يستلزم تطور الحياة وضع هذا القانون بصورة متطورة حية متلائمة مع مستلزمات الحياة المحاصرة  ولعل اقرب ما يكون إلى ذلك الفقه الجعفري لعامل أساس فيه وهو استمرار وتواصل المجتهدين إلى يومنا الحالي فمنذ انتهاء عصر التشريع والى الآن لم يفقد الفقه الشيعي تجدده المستمر لاستمرار وجود المجتهدين جيلاً بعد جيل.

رغم ما تقدم كان لابد من وجود مؤلفات حديثة واطروحات متكاملة تظهر ميزات الشريعة السمحاء وفي ميادين الحياة كافة فتواصل علمائنا الأعلام رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين على إبراز تعاليم الشريعة المقدسة والمطلع على تاريخ أعمالهم ليجد العجب العجاب وليقف إجلالا للجهود المظنية التي بذلوها في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، وهكذا استمر عملهم طيلة قرون في تطور مستديم لتظهر موسوعات ضخمة و كراريس ورسائل صغيرة متوحدة في ذات الهدف المنشود، ولعل كتاب العلاقات الاجتماعية في الإسلام لمؤلفه  سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني الشيرازي والذي كتبه  قبل ما يقارب الخمسين عاماً واحداً من تلك المساهمات التي هدف من خلاله لفت أنظار الأمة إلى طبيعة هذه العلاقات بأسلوب متلائم ومستوى عامة الناس.

 

بين يدي الكتاب:

الكتاب يسُتفتح بتصديرٍ لسماحة الإمام الراحل  السيد محمد الحسيني الشيرازي أعلى الله درجاته يلفت النظر فيه على المخاطر الداخلية والخارجية التي تحيط بالأمة حينها والتي أدت إلى أن يكون الإسلام اسم ولقلقه لسان فقط والمسلمون أشلاء مبعثرة، وفرق متباغضة وشيع وأحزاب والبلاد الإسلامية وهي أخصب ارض الله وأغناها فقيرة معدمة وليختم تصديره البديع بمطلبين أساسيين:

1ـ إيقاظ المسلمين من سباتهم ورد الروح الإسلامي في أشباحهم، حتى يعرفوا الداء، ويتهيئوا لتجرع الدواء.

2ـ الاهتمام برد الاعتداءآت  التي نزلت بالمسلمين، أبان ضعفهم ورقودهم حتى تقوى المناعة الأمية... وتباد جراثيم المرض المهاجمة، كل ذلك: يتوقف على أقلام كاتبة،وأفراد واعين ونشرات وكتب.

 أما المؤلف فبعد ذلك يبدأ الكتاب بمقدمة يبين من خلالها بعض ميزات الإسلام والشريعة المقدسة والأهداف المرجوة تحقيقها  لسعادة الإنسان في دنياه وآخرته، ومن ثم ينتقل في تمهيد وجيز جميل ضمن مقدمته إلى بيان فروع الدستور أو القانون الإسلامي ذاكراً منها العبادات، المعاملات، الاقتصاديات الاجتماعيات، الأحوال الشخصية، والسلم والحرب، الإنسان، الحيوان، النبات، الدنيا والآخرة، والكون.....الخ

بعد ذلك يقول: ونحن بدورناـ نعرض شطر منها ـ وهو اجتماعيات الإسلام وكيف إن الإسلام وفق في وضع الدساتير الرصينة لتقوية العلاقات الإنسانية بين أفراد العائلة وأولى الأرحام والجيران والأصدقاء والأفراد والدول...

ويضيف بعد ذلك (ولقد أخذنا مصادر جميع ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية البيضاء والأحاديث والأخبار الواردة عن الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين).

 

من عناوين الكتاب:

1ـ النظام العائلي: وما هو معروف اليوم بـفقه الأسرة إلا انه وكما يتبع الأمر ذاته في مطالب الكتاب كافة وجازةً وسلاسةً مراع للهدف من كتابته.

2ـ روابط الأرحام: وكأن الكتاب أخلاقي فقهي إلا إن الضابطة  الأساس فيه هو إيراد الأحاديث الشريفة والآيات القرآنية الكريمة معبّراً من خلالها على المقصود المؤلف وأسس معرفته وعلمه.

3ـ حقوق الجار: ويستفتح البحث بحديث الإمام الصادق عليه السلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» ومن هنا يعرف عظمه الإسلام في توكيده الكبير على حق الجار لذا نجد المؤلف يستعرض جملة أحاديث شريفة في خصوص ذلك.

4ـ علاقات الأصدقاء: الإسلام في أروع صوره وتعاليمه حينما نجده وقد بعث معتنيقه على أهمية الصداقة والأصدقاء فيروى عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال: (استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن دعوة مستجابة) وقال عليه السلام: (استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة) وقال: (أكثروا من مؤاخاة المؤمنين فإن لهم عند الله يداً يكافيهم بها يوم القيامة).

5ـ بين الأفراد المجتمع: وفي هذا البحث يستعرض جملة مطالب تحت مظلة عناوين  مختلفة مع وحدة الهدف كما  تقدم وهو التآخي بين الأفراد وتظللهم بظلال الراحة والهدوء، كما يذكر بعض الأعمال الرذيلة التي ينهار بها المجتمع الواحد وتنشر فيه  التفرقات والمشاجرات مع رأي الإسلام في كل منها.

فمن الأخلاق الحسنة يبحث: السلام، المصافحة، المعانقة، التزاور، الهدية، حسن الخلق، البشاشة، السعي في الحوائج، الألفة، حسن الظن.

ومن الأخلاق الرذيلة يذكر: العداوة، التباعد، الأعمال العدائية، البُهت، النميمة، سوء الخلق، الغيبة، الخيانة، تتبع العثرات، الإيذاء والإهانة.

6ـ النظام السياسي الإسلامي: ويبحثه على محورين:

أـ النظام السياسي الإسلامي الداخلي: وهو النظام الذي يتكفل تنظيم حياة المسلمين تنظيماً إنسانياً راقياً بحيث يعيش كل فرد جواً هادئً بعيد عن التوتر والقلق وعن عوامل الضوضاء والمهاترات بحيث يسود المجتمع العدل والمساواة والسلام.

ب ـ النظام السياسي الإسلامي الدولي: ويعني به: النظام الذي تسيير العلاقات الدولية بطريقة حسنة وبشكل جيد لا يحيد عن طرق العدالة والحق والخير العام قيد شعرة

الخاتمة: وفيها التركيز على فكرة خلاصتها قوله: ( من المعلوم: إن اجتماعيات الإسلام ليست حفنة قليلة من الدساتير الإنسانية، الأنظمة الراقية، والقوانين الرصينة، حتى نتمكن من البحث عن جميع أطرافها في كتاب صغير ـ كهذا الكتاب ـ بل إن النظم الاجتماعية الإسلامية تحتاج إلى أسفار ضخمة ومجلدات كثيرة حتى تستوعب الأُسُس لإقامة الاجتماع الإسلامي  ويعتبر هذا الكتاب كتصميم للمواضيع الرئيسة، من النظم الاجتماعية الإسلامية، لا ككتاب يبحث في تلك النظم أو بعضها.

ولهذا فإننا نرجوا من الكتاب الإسلاميين الفاقهين لهذه النظم ـ أن يؤلفوا كتباً للبحث في اجتماعيات الإسلام.

 

عدد الصفحات: 88

الحجم: رقعي 14×20

المطبعة: الغري ـ النجف الأشرف سنة 1380 هـ.