مقام الإمام الصادق عليه السلام رمز الحق وعنوان الولاء

 

توطئة:

إن الحقيقة التاريخية الثابتة التي توصل إليها المؤرخون والباحثون الأثريون، هي: إن أرض كربلاء القاحلة وغير الآهلة، قد تحولت بعد فترة ليست بطويلة في أعقاب مقتل الإمام الحسين بن علي وأصحابه البررة عليهم السلام في عام واحد وستين للهجرة، إلى منطقة مأهولة ومزدحمة بالزائرين والوافدين إليها من كل حدب وصوب لغاية روحانية وعاطفية متسامية هي التبرك والتشفع بقبر الحسين الشريف عليه السلام.

لقد توفرت لهذه الأرض بعدما حوت في جوفها جسد الحسين الشهيد عليه السلام من آيات الطهر والقدسية والبركة ما جعلها بمثابة قطعة من الجنة المخلّدة على الأرض، بدليل أنها أضحت تمثل معاني الإباء والكرامة والمبدأ والعقيدة وتجسد العلاقة الصميمية بقيم السماء والدين والرباط الوثيق بالفضيلة والسمة الروحي فاستحقت بذلك أن تدخل التاريخ الإسلامي من أوسع أبوابه.

وباتت لتراب هذه الأرض قدسية وبركة بالنسبة لجميع عشاق الحسين عليه السلام ومواليه وشيعته لأنه امتزج بدم الحسين الشهيد عليه السلام فأصبح وكأنه بلسم ودواء تطيب لهم، فالمحب يشم منه رائحة الحبيب فيهدأ ثم يـبل من داءه إذ في لُقى الحبيب تدب الحياة من جديد في أوصال المُحب، ولكن ما أحلى أن يكون الحب نابعاً عن عقيدة روحية ومتدفقاً من نبع القيمة السماوية، وإذ ذاك ينفذ إلى كل الجوارح، فيمسها بعنف ويحفزها للحركة والحياة النابضة بالدفء والحيوية، وبذلك يصبح الحب عامل تحريك قوي لها ومن ثم تطيب لها وعند ذاك يشفي المحب من مرضه وينجو من علته.

ومن هنا اكتسبت أرض كربلاء عامل جذب روحي ومعنوي قوي جداً، ظل يشد الناس المؤمنين إليها، وكل أولئك الذين باتت واقعة عاشوراء المفجعة تـثير في نفوسهم كوامن الحزن واللوعة والأسى وتستنهض هممهم للتوجه إلى هذه الأرض، وشد الرحال إليها من كل حدب وصوب لغاية التشرف والتبرك والتشفع بزيارة روضة أبي الأحرار الصناديد وسيد الشهداء الأبرار وسليل رسول الله الإمام الحسين عليه السلام فيما الكثيرون من هؤلاء المندفعين والمُشوقين لزيارة قبره الشريف لم يكتفوا بزيارته بصورة عابرة، أو في خلال وقت قصير بل تشبثوا بهذه الأرض وفضلوا البقاء فيها لأطول فترة ممكنة وحتى لآخر أيام حياتهم ممن تمثلت أمنيتهم الغالية في أن يكون محياهم ومماتهم بجوار قبر الحسين عليه السلام.

ومنهم من حضر كربلاء ثم غادرها لظروف معينة إلا انه ترك فيها آثار تعكس عظمته ومكانته ومن هؤلاء العظماء الذين زاروا كربلاء المقدسة وتركوا فيها آثار هو الإمام الصادق عليه السلام.

 

مقام الإمام الصادق عليه السلام:

لقد كان الإمام جعفر الصادق عليه السلام يتجشم عناء السفر الطويل ويغادر محل سكناه أين ما كان لزيارة جده الحسين عليه السلام وكان يشدد ويركز في الحث على الزيارة ومعرفة الإمام عليه السلام معرفة تامة.

وقد قدم لزيارة جده أمير المؤمنين عليه السلام ولما أدى مراسيم الزيارة وأتمها توجه لزيارة مرقد أبي عبد الله الحسين عليه السلام. فلما وصل كربلاء المقدسة ذهب إلى مكان جنب الفرات في الغاضرية شمال كربلاء يبعد عن المرقد ما يقارب 350 مترا فأغتسل ولبس طهر ثيابه وتوجه لمرقد جده عليه السلام يتلو زيارة وارث وانكب على القبر.

لذا أنشأ في المكان الذي أقام فيه مزارا سمي بـ (مقام جعفر الصادق عليه السلام) وقد سميت المنطقة بالجعفريات والمقام يعرف باسم  (شريعة الإمام الصادق عليه السلام) وقد شيد هذا المقام عام 971 للهجرة وأصبح مزارا يأمه الناس ويتوسلون لله بوجاهة الإمام عليه السلام ويتحقق مرادهم فيأتون بالنذور وقد حدثت فيه معاجز كثيرة.

وقد هدم النظام المدحور هذا المقام وقبته وقد جدد بناؤه مرة أخرى.