صدر حديثاً عن مؤسسة الفقيه الشيرازي: الشعائر الحسينية والتحديات الحضارية

alshirazi.net

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد:

ما ان تقع أعيننا على عبارة الشعائر الحسينية، حتى يتبادر إلى الذهن مواكب العزاء، وحشود المعزين في المآتم والمجالس، وهم تارةً يستمعون إلى المراثي والنواعي، وتارةً يشاركون بأنفسهم باللطم والنحيب وذرف الدموع على مصاب سيد الشهداء عليه السلام.. وهذا من بديهيات طقوس عاشوراء، وأيضاً أيام الأربعين.

بيد أن السؤال الذي أن يطرح هو: أن الإمام الحسين عليه السلام وقضيته الكبرى، هل تنحصر بساعات معدودة وأيام قلائل، تنقضي وينتهي كل شيء؟

فنحن نذرف الدموع السخية، ونلطم على الصدور بحماس، ونطبخ الطعام ونوزع بكرم هائل، بل نقتحم جدار الخوف ونمتشق السيوف ونضرب الهامات فتسيل الدماء فجر يوم العاشر من المحرم، ولكن أين كل هذا من أوضاعنا وظروفنا التي نعيشها طيلة أيام السنة؟

هذا تحديداً ما يسلط عليه الضوء سماحة الفقيه الراحل آية الله الشهيد السيد محمد رضا الشيرازي قدس سره في باقة من محاضراته حول الشعائر الحسينية.

فنحن في هذه الصفحات المضيئة نجد إحكام الربط بين عديد أنواع الشعائر، وبين حياة الإنسان.. الفرد والمجتمع والأمة. فكم نحن بحاجة إلى معرفة أبعاد الحديث النبوي الشريف: الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة!

كما أننا بحاجة أيضاً إلى أن نعرف معنى أن يكون الإنسان (حسينياً)، أو تكون جماعة معينة (حسينيين)، حتى نستفيد حقاً من الإمام الحسين عليه السلام المدرسة، ومن عاشوراء المنهج.

في هذا الكتاب يفتح سماحة الفقيه الراحل قدس سره آفاقاً واسعة لنا، لنمضي قدماً في رحاب عاشوراء والإمام الحسين عليه السلام، وفي هذا المشوار سنجد العطاءات والبركة، وأيضاً الحياة الكريمة والسعيدة من وراء الشعائر الحسينية، وهذه بحد ذاتها تُعد مفارقة عجيبة حقا، فنحن أمام مأساة مريعة، حيث الرؤوس المفصولة عن الأجساد وخيام محترقة ونساء وأطفال سبايا مقيدين بالحديد، ودماء وأشلاء و... مع ذلك تمنحنا الواقعة المؤلمة والمحزنة، كل هذا الخير والعطاء.. فكيف ذلك يا ترى..؟

إن أخطر ما تواجه الأمة في الوقت الحاضر، هو التحدي الحضاري، ومحاولات سلب الهوية الدينية من أفرادها.. فقد تعاقبت أنظمة حكم دكتاتورية دموية، جعلت سلّم أولوياتها مسخ هوية الشعوب الإسلامية، وإبعادها عن جذورها ورموزها التي تمدها بأسباب الحياة والقوة، وبذلك قامت بحرب بالنيابة عن جهات أجنبية، فسالت الدماء وفتحت السجون على مصراعيها، وشُرِّد من شُرِّد وقُتل من قُتل، من خيرة العلماء والمؤمنين، ولعل أبرز شاهد على ذلك ما جرى في العراق.. ولكن الشعائر الحسينية، ونفس تلك الممارسات العفوية في أيام عاشوراء، صنعت سداً منيعاً أمام تلك الهجمات والمحاولات، وذلك عندما تحولت تلك الطقوس والممارسات إلى وسيلة لإعلان الرفض لسياسات الحكام الظلمة، وبكلمة نقول: إن الشعائر الحسينية، أصبحت في عيون أهل الحكم والسلطة الطغاة، امتداداً لما قام به الإمام الحسين عليه السلام ضد طغاة الحكم الأموي.

نعم، هكذا تكون عطاءات عاشوراء، التي يبينها لنا سماحة الفقيه الراحل قدس سره، فهو يؤكد لنا بالدليل القاطع أن الشعائر الحسينية هي السد المنيع حقاً، أمام العادات المنحرفة والسلوكيات الخاطئة التي تخترق نفوس الشباب، كما هي السد المنيع أمام الأفكار الدخيلة التي تعصف بالمجتمع والأمة.

لنبدأ بالإنسان.. الفرد، الباحث دوماً عن الاستقرار النفسي والمادي، وسط أمواج الهموم والمشاغل. فقد ثبت علمياً أن المشاهد التي تنقلها وسائل الإعلام من القتل والعنف والجرائم، لاسيما مواقع (النت) والقنوات الفضائية، سواءً العنف المنزلي أو الاجتماعي أو السياسي، تحتل حيزاً في الذهن، وتجعل الإنسان متطبعاً على مناظر الصفع والركل واستباحة الدماء، وأول نتيجة يظهر في الفرد انعدام المسؤولية واللا أبالية بالآخرين، إذا لم نقل بتعلّمه واستنساخه لتلك الممارسات الخطيرة والشاذة من الشاشة الصغيرة إلى صعيد الواقع الاجتماعي..

وتزداد الخطورة، عندما يتعلق الأمر بالطفل، فهو الحلقة الأضعف في المجتمع، وهو البرعم الصغير، والأرض الرخوة التي تتقبل كل أنواع البصمات.

وهنا يضع سماحة الفقيه الشيرازي يده وبقوة، ويدعونا للاستفادة من الشعائر الحسينية لصناعة عقل الطفل.. وتربية جيل صالح، فالطفل الذي نشأ في بيت يسمع فيه الخطيب الحسيني والمواعظ الدينية ويشترك في تقديم الطعام للحاضرين، ويشاهد التضحية في سبيل الله وتحمل الصعاب لنيل الخير، فسوف تُنظَّم عقليته على هذه الفضائل.

هكذا يذكرنا سماحة الفقيه الراحل بضرورة إقامة المجالس الحسينية في البيوت، وليس فقط في الحسينيات الكبيرة، ليكون الطفل ضمن الحضور.

وذات مرة تساءل سماحته بكل عفوية وصدق: أتعلمون أن بكاء الأب والأم في المجلس الحسيني، أي طوفان من المشاعر والأحاسيس الإيجابية يخلقه في نفوس الأطفال..؟!

وفي مناسبة أخرى تساءل سماحته: هل تجدون بين نزلاء السجون من المجرمين والقتلة، من هو في خط الشعائر الحسينية؟ وهل تجدون في قائمة المنتحرين واليائسين من الحياة، من يمارس الشعائر الحسينية، ويدأب على حضور المجالس والمآتم على مصاب الإمام الحسين عليه السلام؟

حقاً، إن البكاء على الإمام الحسين، وما جرى عليه من مصائب ومحن، تجعل الإنسان من حيث لا يشعر يبحث عن البديل، لكل ذلك الجدب في الضمير الوجدان والقسوة.

فيكون بالضرورة عطوفاً رحيماً، وهذا لعمري من أبجديات العلاقات الاجتماعية الناجحة.

أما على الصعيد الاجتماعي، فان عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام تقدم للمجتمع الإنساني ـ أي مجتمع كان ـ نماذج راقية ومتكاملة في الإباء والتحدي والخلود..

ولنا أمثلة معاصرة، فالمجتمع في العراق وفي إيران وما أشبه، لم يبلغوا حالة النضج السياسي والثقافي، بحيث يزعزع عروش الحاكمين، بما أوتوا من قوة وبطش ووحشية، لولا جذوة الحسين عليه السلام المتّقدة في نفوسهم، فالمجالس الحسينية والمراثي واللطم ومختلف أشكال الشعائر الحسينية، هي التي تحولت إلى تظاهرات عارمة وإصرار وصمود على الإطاحة بالنظام الملكي الديكتاتوري الظالم... وفي العراق أيضاً، حيث الثورات والانتفاضات المتتالية، منذ ثورة العشرين عام 1920 وحتى سقوط آخر صنم من أصنام الحكم العسكري والديكتاتوري عام 2003.

فكيف ظهر الشباب المقدام نحو التضحية بدمه، والشيخ المضحي بشخصيته ومكانته، والمرأة المضحية بعاطفتها ومشاعرها، لمواجهة الباطل والانحراف في المجتمع، لولا نماذج مثل عقيلة بني هاشم السيدة زينب عليها السلام ولولا الشاب اليافع علي الأكبر عليه السلام، ولولا حبيب بن مظاهر رضوان الله عليه وحتى الأطفال الذين استبسلوا في واقعة الطف، وسطّروا ملاحم بطولية رائعة سجلها التاريخ بأحرف من نور، حيث ينشد ذلك الفتى أبياته وهو يشق الطريق بخطى ثابتة على ارض المعركة:

أميري حسين ونعم الأمير                    سرور فؤاد البشير النذير

هذا هو بالتحديد ما يسميه سماحة الفقيه الشيرازي بـ المرجعية القيادية للشعائر الحسينية في المجتمع، ويؤكد على تقويتها والمحافظة عليها ويعدها بمنزلة القدوة، لا ان تكون قدواتنا رموزا وهمية على الشاشة الصغيرة، أو شخصيات تستقوي بالمال والسلطة وغيرها بما هو زائل...

 لكن سماحته لايلبث ان يعود بعاطفته الجياشة ومشاعره الصادقة والمرهفة، لان يذكرنا بالطفل ثانيةً، ويقدم لنا نموذج للطفل الرضيع.. الصريع ضمآناً.. ويطالب بأن يكون رضيع الإمام الحسين عليه السلام وسيلة للكبار والصغار في الارتباط الأقوى بالدين والتعاليم السماوية، فالنهضة الحسينية شاملة لجميع أفراد المجتمع، والجميع مدعو لأن يسهم فيها ويشارك في عملية الإصلاح والتقويم والامتثال لدين الله الحنيف.

ويستذكر سماحته موكباً مثيراً ومبتكراً في مدينة قم المقدسة، ليس لكبار السن، بل لأطفال الرضع وهم محمولون على أكف الآباء ويجوبون الشوارع تحت لافتة موكب علي الأصغر عليه السلام. فعندما يرتبط الطفل بعلي الأصغر فإنه يرتبط قطعاً بالإمام الحسين عليه السلام وبالعترة الطاهرة والقرآن العظيم وبكل معاني الخير والفضيلة.

وهكذا مسألة شرب الماء واستذكار عطش الإمام وأيضاً استذكار مسألة وفاء وإباء مولانا العباس عليه السلام ومواقف مشرِّفة وساطعة أخرى وهي كثيرة في واقعة الطف من شأنها أن تصوغ مجتمعاتنا الإسلامية وتجعلها حقاً مؤهلة للتغيير والتطور والتقدم.

وعلى صعيد الأمة فإن الإمام عليه السلام بوقوفه بوجه الطغيان الأموي أنقذ الأمة من خطر الإنزلاق في هاوية التزييف والتحريف. فعندما نلاحظ حجم التحدي الحضاري الذي تواجهه الأمة في يومنا هذا، نعرف حجم العطاء الذي يقدمه الإمام الحسين عليه السلام فهو يصوغ لنا هويتنا الحضارية والثقافية وإلا هل ترك الأمويون أو العباسيون أو غيرهم هوية حضارية وثقافية للأمة الإسلامية؟ نعم، خلفوا صفحات مليئة بالدماء والإرهاب في التأريخ وأخرى سوداء بالممارسات اللاأخلاقية واللاإنسانية، والتي كانت سبباً في ضياع بقاع شاسعة وممتدة من البلاد الإسلامية لصالح الجيوش الصليبية.

لذا يؤكد سماحة الفقيه الراحل على أن عاشوراء تصوغ هويتنا الثقافية، ويحذرنا بأن هنالك جهات عديدة في العالم تحاول أن تجردنا من هويتنا، فإن الأمة التي لا تملك تاريخاً كالفرد الذي لا يملك ذاكرة.

من هنا يتضح لنا أن الشعائر الحسينية بالحقيقة هي وسيلة تجعلنا نلحق بسفينة الحسين عليه السلام علّنا نصلها ونحظى أن نكون على متنها وإلا فإن المفاهيم المشار إليها آنفاً كلها إيجابية ومحببة إلى الفطرة السليمة، لكننا بحاجة إلى ميدان للتطبيق العملي والتحرك بسرعة ومراجعة منهج عاشوراء والبحث عما ينطبق علينا من دروس وعبر، في الالتزام الديني والأخلاقي وكذلك في السلوكيات الفردية من شجاعة وإباء ووفاء وغيرها كثير من الصفات الحميدة والفاضلة بل كلها في وقت واحد..

في كل الأحوال والأمكنة والأزمنة لتكن الشعائر الحسينية حاضرة في حياتنا اليومية بأن نجعل الحسين عليه السلام وما نظهره له من حب وولاء واستجابة لقضيته ضمن حياتنا اليومية سواء داخل البيت أو غي محيط العمل حتى نستطيع الحفاظ على هويتنا الثقافية والحضارية.

 

من عناوين الكتاب:

1: لماذا إحياء الشعائر الحسينية في عاشوراء؟ العامل الأول: التحدي الحضاري، كيف نحافظ على هويتنا؟ العامل الثاني: عاشوراء طريق النجاة، صناعة العقلية.

2: معنى ومفهوم شعائر الله تعالى، المحور الأول: معنى ومفهوم كلمة الشعائر، المحور الثاني: شعائر الله تقودك إلى الله، الشعائر الحسينية شعائر الله، الشعائر الحسينية سبب الغفران، دعبل الخزاعي عليه رحمه الله وخشبة الموت، السيد حيدر الحلي رحمه الله، السيد كاظم القزويني رحمه الله.

3: تعظيم الشعائر الحسينية من تقوى القلوب، النوع الأول: الموضوعات المجعولة، النوع الثاني: الموضوعات الممضاة، ما هي الشعائر؟ اللطم، على أعتاب محرم، خطيب من كاشان.

4: تعظيم الشعائر الحسينية انتصار للإمام عليه السلام، الموضوع الأول: أين موقع التقوى في الإنسان، الموضوع الثاني: الملكة الباطنية والملكة النفسانية، خدمة الحسين عليه السلام دين علينا، خدمة الحسين عليه السلام طريق لشفاعته، كيف ننتصر للإمام الحسين عليه السلام، كل عين باكية.

5: أبعاد إحياء ذكرى الإمام الحسين عليه السلام، البعد الأول: البعد الحضاري، لولا المجالس الحسينية، البعد الثاني: المجالس والزيارة أمان لأهل الأرض، البعد الثالث: شفاعة المجالس الحسينية، توصيات مقتبسة من محاضرات الفقيه المقدس، نبذة عن حياة الفقيه المقدس رحمه الله.

 

عدد الصفحات: 104

الحجم: رقعي 1420

الطبعة:  الأولى 1434 هـ /2012 م .

إعداد وتحقيق: مؤسسة الفقيه الشيرازي الثقافية، العراق / كربلاء المقدسة.