في ذكرى رحيلها عليها السلام: قراءة في كتاب السيدة أم البنين للإمام الشيرازي الراحل

alshirazi.net

 

تكاد تنحصر مصادر المعرفة التاريخية حول شخصية معينة سواء على المستوى الاجتماعي أو الشخصي في أبواب ثلاثة لا رابع لها وهي: المصادر الشرعية المتمثلة في الكتاب والسنة المطهرة، حيث الأول في غالبه لا يُنبأ إلا عن العموم أي الجانب الاجتماعي وفي بعضه الجانب الشخصي القليل ولأفراد قلائل، فيما تُبين السنة مقدار من البُعدين على نطاق محدود.

أما الباب الثاني فهي المصادر التاريخية ومعظمها كتبت بيد الموالين للسلطات الحاكمة فتجدها في معظمها بيان لأعمال الحكام وشؤونهم فيما تعمدت التعتيم على المخالفين للسلطة الظاهرية لاسيما أهل بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم ومن لاذ بهم أو انتسب إليهم.

أما الباب الثالث فهو باب الزيارات الشريفة ـ ان كانت الشخصية محل الدراسة لها مكانة أو منزلة دينية معينة ـ وغالبا ما تبين الزيارة المعرفة الذاتية للمزور وبيان منزلته ومكانته وصفاته ومزاياه وخصاله وربما علمه وولاءه لله سبحانه ولأهل البيت عليهم السلام.

ففيما يخص السيدة الجليلة فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة الكلابي المكناة بأم البنين رضوان الله عليها زوج أمير المؤمنين عليه السلام فلم تتحدث المصادر التاريخية عنها إلا أليزر اليسير لاسيما فيما يخص حزنها بعد واقعة الطف الدامية، وفيما يخص زيارتها سلام الله عليها فلم يرد نص بخصوصه وما هو مشتهر بين الناس زيارة كتبها احد العلماء الأجلاء ولم ترد عن المعصوم سلام الله عليه.

وفيما تقدم انقدحت صعوبة البحث حول السيدة الجليلة ولا يوجد طرق إلا البحث عبر القرائن والأشباه والنظائر والاعتماد على بعض العمومات، وهذا ما فعله سماحة الإمام الراحل السيد محمد الشيرازي أعلى الله درجاته في كتابه الموسوم السيدة الجليلة أم البنين سلام الله عليها وهو اسلوب واضح وجلي اقتضاه واقع البحث.

 

مع الكتاب:

الكتاب ذو صفحات قليلة لا تتجاوز الستين لكن تضمن معانٍ كبيرة ومضامين عالية تفتح المجال للفكر أن يتمعن فيتنور وتنقدح أفكار تصير مواضيع للبحث ومناسبات للحديث، فكأنه قدس سره أراد تعبيد الطريق وتمهيد الصراط لمن يرغب بالبحث والتنقيب وهذا أسلوبه رضوان الله عليه في كتب كثيرة ألَّفها.

استهل الكتاب بمقدمة أشار فيها إلى سبب التأليف وصعوبة البحث حيث التاريخ لم يذكر عن السيدة الجليلة إلا القليل وقد عبَّر قدس سره عن ذلك المقدار بقوله: وقد كتبتها ـ أي هذه الرسالة ـ للإشارة بفضلها وسمو مقامها بقدر معرفتنا القليلة بها، لأن التاريخ ساكت عنها بقدر سم الخياط، ومن ثم اخذ ببيان النظائر في المقام حول الأنبياء عليهم السلام والأولياء وأهل البيت لاسيما رسول الله صلى الله عليه وآله الذي لا نعرف عنه إلا القليل.

أول المواضيع التي يبحثها المؤلف هو زواج أمير المؤمنين عليه السلام من السيدة فاطمة أم البنين، فلم يتطرق إلى أحوال ولادتها ونشأتها ولعل السبب في ذلك قلة المعلومات في المقام كما تقدم وكذا كون نجمها لمع منذ اقترانها بأمير المؤمنين عليه السلام أو لأنه أعلى الله درجاته أراد ـ وكما المحنا قبل قليل ـ فتح الطريق وتعبيده للآخرين فواقع الحال يقتضي الاقتضاب.

وكذا يغتنم مناسبة الكلام حول الزواج ليشن نقدا لتفشي حالات الطلاق في البلدان الإسلامية وتفاقم هذا المرض والذي مازالت وتيرته في تصاعد إلى يومنا هذا.

ثاني المواضيع التي يبحثها حول المعنويات العالية التي تميزت بها سلام الله عليها شاكيا أيضا قلة المعلومات في المقام فيتخذ طريق دلالي منطقي وهو دلالة الآثار قال قدس سره: نعم يمكننا المعرفة الإجمالية عبر بعض الآثار فيشير إلى مسألة التوسل بها وقضاء الحوائج مما هو مشتهر عنها عليها السلام ومجرب فهذا اثر بالغ على المعنويات العالية والقرب الذي اتصفت به سلام الله عليها.

وقبل الحديث حول كربلاء وأم البنين يمهد ذلك بالحديث حول إن المرأة نصف البشر فيستطرد في بحث بعض الجوانب لاسيما عطاء المرأة ذاكرا بعض الشواهد على ذلك منها عطاء السيدة الزهراء عليها السلام وجهادها، وبمناسبة هذا الحديث ـ وكان قدس سره قد كتب هذا المؤلَف في قم المقدسة ـ يستذكر كربلاء المقدسة والنجف الاشرف وما فيهما من أسواق للنساء مبينا مجاهدة المرأة إلى جنب الرجل. بعد ذلك يتحدث حول تضحيات هذه السيدة الجليلة في سبيل الله حيث قدَّمت أولادها الأربع للشهادة بين يدي الإمام الحسين عليه السلام.

كذلك يتناول بالبحث مسألة طاعة السيدة لأمير المؤمنين وتسليمها لإمام زمانها وحبها الشديد بل لعل هذه الخصال هي من أوصل السيدة الجليل إلى مقامها المعنوي الكبير المشتهر بين الناس، وفي هذا درس عظيم لمن أراد الترقي في المعنويات والكمال.

وبمناسبة الحديث حول السيدة يوجه سماحته ـ وكما هو المعروف عنه ـ إلى ضرورة إحياء المناسبات وذكرى أم البنين فيبتدئ البحث بحديث الصادق عليه السلام: أحيوا امرنا رحم الله من أحيا امرنا قرب الإسناد: ص18، ويتابع الحديث بقوله: إن إحياء ذكرى أم البنين سلام الله عليها وذكرى المعصومين عليهم السلام وذويهم ومن إليهم، كالعلماء والصالحين والصالحات، من أهم ما يلزم، وذلك لأجل تنظيم الحياة تنظيما صحيحا يوجب سعادة الإنسان في دنياه وآخرته.

بعد ذلك يبحث سماحته في جانب مهم في المقام وهو حول أولادها الأربعة وبطولاتهم في واقعة كربلاء لاسيما بطل كربلاء السيد الجليل أبو الفضل العباس بن أمير المؤمنين عليهما السلام، ليتفرع بعد ذلك للحديث حول الكرامة الإلهية والهبة الربانية لهذه السيدة موجها دعوة للفضلاء للكتابة حول كرامات السيدة قائلا: ولو سمح التوفيق لبعض الأفاضل ليؤلف كتاباً حول كرامات أم البنين عليها السلام المذكورة فمن غير البعيد أن يجمع أكثر من ألف كرامة بإذنه سبحانه، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت:69 .

تاسع المواضيع التي يبحثها هو حول زيارة قبرها وثواب ذلك العمل مؤكدا الأمر بالإشارة إلى وجود روايات باعثة إلى زيارة القبور، فيما يقوم محقق الكتاب بإيراد بعضها في الهامش، ومن ثم أيضا يغتنم فرصة الحديث حول قبر أم البنين ليوجه النداء والدعوة إلى السعي لإعادة بناء قبور البقيع الغرقد الذي هدَّمه الوهابيون.

وفي ختام البحث يتحدث أعلى الله درجاته حول وفاتها سلام الله عليها محتمل انها قتلت مسمومة ويأتي ببعض القرائن والمؤيدات لهذا الاحتمال.