السيد محمد الشيرازي.. موضوعياً

بحث مستل من كتاب قادة الفكر الديني والسياسي في النجف الأشرف

للدكتور محمد حسين علي الصغير

 

تمهيد منهجي:

السيد الشيرازي قدس سره وبصريح العبارة: رجل ارتفع به أولياؤه إلى درجة التقديس، وهو أهل للتبجيل والتعظيم من دون شك. وانحدر به أعداؤه إلى حد التوهين، وليس الأمر كذلك، فكان مدحه يتعدى حدود الإفراط أحياناً، وكان قدحه يتعدى حدود التفريط دائماً، وبناءً على هذا المناخ المتناقض، فقد كثر اتباعه ومحبوه، وهم يفدونه بالآباء والأبناء، وكثر – أيضاً – مبغضوه بشكل غريب يدعو إلى الحيرة والتساؤل.

فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا التضادّ؟

وما هي شخصيته في الميزان الواقعي الموضوعي.

وما هي الدواعي الحقيقية وراء حملة التشهير به جزافاً؟

وما هي فلسفة الاعتزاز به والاحتفاء بقيادته؟

وما هي مواقفه الإنسانية المجهولة لدى الكثيرين؟

وما هو دوره في بناء الفكر الإسلامي المعاصر؟

هذه بعض الأسئلة الرئيسية الكبرى التي تدور حول مسيرة السيد الشيرازي قدس سره، وهي أسئلة قائمة بالفعل، أرجو أن يوفقني الله تعالى للإجابة عليها بأمانة وإخلاص ضمن هذه الصفحات من ملامح حياة السيد الشيرازي العامة.

وينبغي الإشارة بادئ ذي بدء، أن الرجل قد انتقل إلى جوار ربه، فلستُ آمله في شيء، ولستُ من أتباعه ولا مقلديه، ولا علاقة مالية لي معه، فلستُ محتاجاً ولا أتناول حقاً شرعياً، بل قد أخرجه أحياناً.

وقد أكون مستشاراً عند جملة من المراجع العظام طيلة أكثر من أربعين عاماً، وليس هو أحدهم، نعم هو أخي في ذات الله والمصلحة الإسلامية العليا، وهو صديقي منذ أكثر من خمسين عاماً أيام الصبا والشباب، واستمرت هذه الصلة حتى وفاته من دون أن يكدر صفوها شيء.

فإذا كتبتُ عنه فبدافع الوفاء لهذه النوع من الإلتقاء الروحي، ولستُ من المتعصبين له أو عليه، ولهذا فسأكتب للتاريخ والأجيال القادمة التي قد لا تتوصل إلى حقيقية هذا الرجل بيسر وسماح، أو قد تلمس شيئاً من اللبس والغموض حول شخصيته الفذة، بين ثناء المحبين، وهجاء المبغضين.

يحدّثنا التاريخ أن احدهم قد أثنى ثناءً كبيراً على أمير المؤمنين الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام بحضوره – وكان متهماً – فقال الإمام بما نصه أو معناه: أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك، وهذا ما ينطبق في حدود على المغالين بالسيد الشيرازي طاب ثراه، وعلى القالين له.

سألني أحد علماء لبنان في صيف عام 1997م، وأنا أقضي فصل الصيف هناك؛ قال لي: أنت رجل صريح، ومعروف بحبك وإخلاصك للسيد الشيرازي، وأنت من جماعة السيد محسن الحكيم، والسيد أبو القاسم الخوئي، والسيد علي السيستاني؟ قلتُ هذا صحيح، قال: أريد أن أسألك سؤالاً قد يكون محرجاً بعض الشيء، قلت له: على رسلك؛ سل ما تشاء!!

قال ما هي الشيرازية؟ ومن هم الشيرازيون؟

إن هذا الإسم يبدو مخيفاً ومحاطاً بالرهبة!! فما هو خطهم وما هو منهجهم؟..فتبسمتُ وقلت له:

السيد الشيرازي في خط الله تعالى، وخط رسوله صلى الله عليه وآله وخط أهل البيت عليهم السلام، وعلى المنهج القويم المعتدل.

قال: هناك بعض الإنتقاد لجماعته!! قلت: لسنا معصومين. وكل كنا عرضة للنقد، ولكنه النقد الذي لا يخرج أحداً من دينه. وأردفت قائلاً: إن هذه الأسرة الشريفة في كربلاء المقدسة ـ أسرة آل الشيرازي ـ يحسدها الكثيرون ممن لا خلق  ولا خلاق، لأنهم محبوبون حباً ذاتياً، ولهم شعبية هائلة في الوسط الجماهيري، وتلك نعمة كبرى، وكل ذي نعمة محسود.

قال جزاك الله خيراً فقد نفّست عني كثيراً.

قلت: لا عليك بالأقاويل والأباطيل، ما قلت لك الوقائع بعينه.

كان هذا الحديث مدعاةً الى تسجيل جملة من الواقع قد تنحلّ من خلالها الإشكاليات جملة وتفصيلاً.

 

النشأ المثالية:

نشأ السيد الشيرازي قدس سره نشأة رائعة مثالية بين أحضان والده المهدي، وكان رجلاً عرفانياً، وعالماً ربانياً، تتمثل به القداسة بأروع صورها، فإكتسب المترجم له خصائصه السلوكية، وأضاف إليها معارفه العلمية، فغذاه لباب العلم الخالص، ودرس على يديه و على أساتيذ كربلاء المقدسة الدراسات الأولية والعالية والعليا، وإختصّ بعد والده طاب ثراه بالحجة الشيخ يوسف الحائري، حتى لمع نجمه في الوسط العلمي، وهو في عنفوان شبابه، وبذلك إشتهر ـ منذ عهد مبكّر ـ شهرة مستفيضة في العالم الإسلامي.

والسيد الشيرازي قدس سره داعية إسلامية كبير، ومرجع ديني معروف، وظاهرة فريدة في البحث والتأليف والنشر، وضرب به المثل في الصبر والمعاناة على ذلك. ولم يكن هذا المكان الذي إحتله السيد الشيرازي إعتباطياً أو فجائياً، فالرجل في نشأته المباركة وراء هذه الأهمية الخاصة، فقد كان كثير الصلاة بالمناخ العلمي، وقد عاصر طائفة من العلماء الربانيين، وهو على إرتباط مباشر بثقافة هذا العصر، فعاد بذلك مثقفاً عصرياً متحضراً.

يضاف الى هذا كله أن السيد الشيرازي قد ورث مجداً رفيعاً من أبيه العظيم، وكان زعيم كربلاء المطلق، فإتجه نحو المعالي في الفكر والمنهج والمسيرة لا عن كلالة وقد نشأ السيد الشيرازي قدس سره في بحبوحة من الشرف الشامخ، متمتعاً بالخلق الرفيع، ومدرّعاً بالعلم الناضج، ومنفتحاً على كل جديد في الحضارة الإنسانية. لم يقف عند علم الفقه وعلم الأصول وعلم الدراية، وقد جعل القرآن الكريم أمامه فهداه الصراط المستقيم، وإنصهر بالعلوم والسياسة والتربة والقانون والتعليم وعلم النفس، وأطاريح الفلسفة والمنظمات الدولية، ولوائح حقوق الإنسان.

ولم ينس مهمته الأساسية في نشر التشريع وإشاعة وإذاعة علوم الأئمة الطاهرين، فحدب على التدريس في بحثه الخارج في كربلاء المقدسة فقهاً وأصولاً، فنشأ على يديه جيل من المبلغين والمرشدين وحملة العلم.

 

خصائص السيد الشيرازي الذاتية:

يتسامى السيد الشيرازي طاب ثراه، بخصائص متميزة إرتفعت به الى مستوى الأبرار، فهو طلق الوجه، مبتسم الثغر، بهيج المحيّا، عالي الهمّة، دقيق الفكر، حصيف الرأي، أصيل النضر، إبتعد عن صغائر الأمور وإتجه نحو القمة في الموضوعية والإبداع، وقد جلب تواضعه الجم أفئدة الناس إليه، وإستولى ترسله العفوي في الحديث على قلوب الشباب وعطفهم نحوه، فإمتلك بذلك الضمائر الحية النابضة، وكان زهده وتقشفه قد زاد من إلتفاف الجماهير حول قيادته المثقفة الواعية.

ومن ملكاته الكسبية والذاتية كونه يحسن لغة العصر وفلسفة الحوار، وملكة الحوار الجريء، وإسلوب الإقناع الفطري، يسترسل في البيان والأداء ببلاغته المعهودة فيسيطر على الموقف في الإبلاغ، وتبسيط في معالجة الموضوعات المهمة فيفهم عنه كل أحد، ويجادل بالّتي هي أحسن فيقتنع بجدله من ألقى السمع وهو شهيد، ولديه من شفافية التعبير، ورشاقة الكلمة، وإشراقة الديباجة ما يجلب له السماع والإستماع، ويمحور بثقافته العصرية أفكاره الحضارية فتتجاوب معه نبضات القلوب وأصداء الآراء، فيبث ما شاء من أطاريح وتطلعات.

وإذا استمعت إلى حديث السيد الشيرازي، وهو يمزجه ببسمة رقيقة، فإنك تستمع منه إلى السحر الحلال لطفاً وعذوبة واستجابة، فهو حديث القلب إلى القلب، ونداء الضمير إلى الضمير، فلا يكاد يحدثك بلغته الهادئة إلا امتلك عليك المشاعر والأحاسيس تلقائياً، وتلك هبة سامية من الله تعالى جذب بها قلوب الشباب اليقظ، واسترعى انتباههم، فبلغ ما يريد من التوجيه والنصح الكريم.

ولم أسمعه طيلة صلتي به متناولاً لأحد بسوء قط، يحمل على الظاهر، ويجري أصالة الصحة، وهو لا يقابل أعدائه ومناويئه بمثل مقابلتهم له، بل العفو والصفح الجميل من أبرز ملامحه في التعامل، يَكِلُ أمرهم إلى الله تعالى، ويدعهم لتأنيب الضمير، فهناك من يثلبه ثلباً لا ورع معه، وهناك من يشتمه جهاراً، وقد يشكك بعضهم باجتهاده، وقد يطعن باستقلاله الفكري، وقد ينسبه إلى ما هو بريء منه، ولكنه لا يعبأ بمثل هذه الأقاويل، فله عن ذلك شغل شاغل بتطلعاته الريادية، وليس على الهراء سبيل لديه، فهو أرفع جانباً، وأعلى كعباً وأسمى عقلية.

بلغني أن أحدهم ممن ثلب السيد الشيرازي، كان قد أحتُضر، وقد رآوه يتملل على فراش الموت، ويتأسف كثيراً، فخوطب في ذلك، فأجاب أنه زوّر على بعض المراجع العظام فتوى كاذبة تتناول السيد الشيرازي بالقدح، والمرجع لا يعلم بذلك على الاطلاق، بل كان يحب السيد الشيرازي حباً جماً.

 

عقبات في طريق القيادة:

كان السيد الشيرازي طاب ثراه قد تعرض في حياته إلى حقد الحاقدين، واستهدف من قبل نفر ضال، وكان الشطط والبهتان والتزوير من معالم الحملة الظالمة التي واجهها بقلب سليم، وشق غبارها بعزم ثابت وشجاعة نادرة فكان مظلوماً من قبل هؤلاء، وكان ظلمه هذا ظلماً فئوياً متعمداً، ولم يكن ظلماً  اجتماعياً، فقد كان يمثل الصدارة في نظر المجتمع السليم، وكان يتبوأ مقعد الصدق عند جمهرة المثقفين، وكان يحظى بتأييد شعبي منقطع النظير.

حدثني سماحة الأخ العلامة الجليل الدكتور السيد محمد بحر العلوم دام علاه، قال: أهدى إليّ السيد الشيرازي وأنا مقيم في لندن (132) مجلداً من موسوعته الفقهية، فبهرت لهذا العمل الضخم، واستدعيت أحد العلماء البارزين، وقلت له بالحرف الواحد: من منا يستطيع أن يقوم بهذا الجهد العظيم، أليس صاحبه قد غربل الآثار، واطلع على ما في الأسفار، حتى استطاع أن يخرج بمثل هذه الحصيلة النادرة؟ اتركوا التقولات!! ودعوا الرجل يعمل بصمت!!

وكان هذا موقفاً جريئاً من السيد بحر العلوم، انتصاراً لهذا الرجل المظلوم، فلله درك أيها العبقري الصامد، لم تلن عوداً، ولم تخمد عزيمةً، ولم تستسلم لليأس، والليل داج، والأهواء تعبث بالآراء يميناً وشمالاً، وأنت كالطود الشامخ، حتى إذا غادرنا السيد الشيرازي إلى دار الخلود الأبدي، بدأ الكثير يتأسف ويتساءل:

ما هو ذنب السيد الشيرازي؟

ولماذا احتجز السيد الشيرازي؟

ولماذا حورب السيد الشيرازي؟

وتبقى الإجابة عن هذه الأسئلة حائرةً، لا يبوح بحقيقتها إلا القلائل، ولا عار على القلة النادرة، فهو لهم شرف عظيم، وقد نطق القرآن بذلك، فقال تعالى: (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) وقال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) وقال تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرينَ).

ولم تؤثر الريح السوداء العاتية التي أثيرت من هنا وهناك على مسيرة السيد الشيرازي الرسالية، وإنما شقها ألم الجبين مكللاً بالنصر، فقد تلاشت وتساقطت تساقط ورق الشجر في فصل الخريف وبدا الحق واضحاً للعيان، وندم من إفترى عليه، ووضع العراقيل بإزائه، إذ كان المترجم له كالجبل الأشم، وكان رحيب الصدر، لم يحقد طرفة عين أبداً على ذلك النفر الضال ممن بهته وإفترى عليه، وربما دعا لهم بالهداية والإستقامة، وآثر الصمت والسكوت عن تلك التجاوزات، ولكن المؤسف له حقاً أن السيد الشيرازي، إنما حورب بإعتباره مرجعاً، فكان الإعتداء عليه إعتداء على المنصب. والإعتداء على المنصب ـ أمس واليوم وغداً ـ يشكّل ظاهرة مخزية، تورد من تولّى كبرها موارد الهلاك.

لئن مضت السنين عجافاً في حياة السيد الشيرازي قدس سره، فشأنه بذلك شأن القادة الأفذاذ الذين لا يريدون بما قدّموه للأجيال جزاءً ولا شكوراً، علماً بأن هذه السنين قد مضت ـ أيضاً ـ غنية بآثاره الخالدة، وثريّة بأعماله الجبارة، فقد إستطاع بين حسد الحاسدين، وكيد الحاقدين، وأبواق الهذر والثرثرة التي مارس طقوسها وأجواءها أعداؤه والتافهون، إستطاع أن يبني مجداً مؤثراً من المعارف السائرة، وأن يضرب مثلاً رائعاً من التسامح الديني، وأن يصبح رمزاً من هذه الرموز في التضحية والجهاد، وان يضل صامداً كالجبل الأشم أمام العواصف.

وسيجمع الله بينه وبين من أساء إليه من هنا وهناك، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) سورة الشعراء: 227.

كانت الهموم تتوالى على الرجل، وكان الاضطهاد السياسي ملازماً له ملازمة الظل للشاخص، إلا ان الآلام تعصر قلبه عصراً، ولآمال الرسالية لم يتحقق لديه كما أراد؛ حتى فاضت نفسه الطاهرة، ووفد على ربه الكريم، يضاف إلى هذا كله أنه كان كثير الحنين إلى كربلاء المقدسة معقله المرجعي.

 

الخطوات الحضارية في مرجعية السيد الشيرازي:

كان الفقيد السيد الشيرازي أعلى الله مقامه، سبّاقاً إلى تطلعات العصر في القرن العشرين،مستوعباً للأبعاد الحضارية التي ينبغي أن يؤسس عليها الكيان المرجعي، متميزاً في استقراء المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها الأمة، باحثاً في أنجع السبل لاحتواء هذه الظواهر في معالجات ضخمة شاخصة، كان لها الأثر الفاعل في درء الأزمات، كما عاد لها الأثر الإيجابي في أداء الرسالة، والحديث في الجانب مثلئبٌ متسع، ولكنني أحاول إيجازه على سبيل النموذج في نقاط أساسية:

1- القيادة الناجحة لجماهير كربلاء المؤمنة، وبقية قصبات العراق، والبلدان المجاورة، بحيث شكل ذلك ظاهرة موضوعية، نبهت القيادات الشابة في العراق إلى تمثل الخطوات الرائدة التي يتخذها السيد الشيرازي في استقطاب المواهب المتحفزة، واستكناه هموم الشباب في توقعاتهم المشروعة.

2- التفاعل الهادف المتكافل مع المشاعر المتدفقة والأحاسيس الثائرة لدى الجماعات الواعية، وتوجيهها ميدانياً للعمل المثمر في حقول المعرفة والثقافة والمشاريع الإنسانية، وإيثار المصلحة العامة المكاسب الذاتية.

3- إعداد عشرات المبلّغين الرساليين من حملة الفكر الإسلامي للقيام بدورهم البنّاء في أداء الرسالة، ونشر المبادئ العليا، وإبلاغ الموروث الحضاري الصادر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام للأمة، وذلك بشتى الطرق السلمية التي تتيحها مراحل التبليغ.

4- تهيأة الكادر العلمي المتطور ممن يتمتعون بالتأهيل الثقافي، ومن الذين لهم الصلاحية الفكرية التربوية للقيام بأعباء المسؤولية الشرعية روحاً وعملاً، لجلب أكبر عدد ممكن إلى حضيرة الإسلام بالتي هي أحسن، والقيام بشؤونهم المالية، وتحسين الحالة الإقتصادية.

5- الإشراف على المنبر الحسيني بجعله أداة حية مشرقة لبث تعليمات أهل البيت عليهم السلام، ونشر علمهم الإلهي الزاخر، وبيان مظلوميتهم في عزلهم عن قيادة الأمة سياسياً، وإبداء ما جرى عليهم من نكبات وصدمات واستئصال وتصفية جسدية لهم ولأوليائهم من السائرين على خطهم، بما يتضمن طرح المبادئ العليا على الصعيد الفكري والإعلامي، والتي ناضل الأئمة المعصومون عليهم السلام من أجل إقرارها بأصالة وإخلاص لسعادة الكائن البشري في الدنيا والأخرة، وطرح تلك المبادئ سليمة عن الزيغ والانحراف والتطرف.

6- العناية التامة بعنصر الشباب باعتبارهم يتفجرون – عادةً – بالنشاط والحيوية والفتوة، بتلقيهم دروساً إضافية في العلم والمعرفة والصبر والثبات والتضحية والإصرار نابعة من صميم نظريات أهل البيت عليهم السلام وقيمهم العليا، والحفاظ على ذلك باعتباره ذخيرة خالدة من أنفس ذخائر الفكر الإنساني المتنور.

7- إفشاء الدوريات والمجلات والنشرات والرسائل الصغيرة، بما يتناسب مع الفهم العام لجماهير المؤمنين بعبارة مشرقة، وأسلوب سهل ممتنع، بعيدة عن العمق الفلسفي الذي ترفضه طبيعة التعليم الأولي في ترسيخ المبادئ العامة للإسلام بعرض جيد وأسلوب جديد.

8- تشكيل اللجان المتخصصة الواعية، من قادة الفكر، ورجال النظر، وأصحاب الخبرة والتجربة، لتنشيط عملية التوعية والإرشاد والتبليغ في ضوء المعطيات التي تؤتي أكلها كل حين، بعيداً عن الصراع الذهني والطائفي والإقليمي، للإرتفاع بمستوى الأمة لدرجة المسؤولية.

9ـ تأمين الكوادر المالية المتبرعة والواهبة، وعن طريق الحقوق الشرعية، لإدارة المشاريع السابقة بكل أمانة، بعيداً عن الأثرة والتسلط واحتجان المال، وجعل ذلك وسيلة للهدف المركزي في تسريع عملية الإنقاذ والتطوير كما هو شأن الدعاة المصلحين بكل زمان ومكان.

10ـ تحديد مسؤولية العاملين بهذه الآفاق المتعددة، ليكون كلٌ عند واجبة وجهاً لوجه، من أجل إنجاح الأطاريح المترتبة الأداء لدى كل فريق منهم، وتنمية الروح الرياضية في طياتها، وخلق المناخ التكاملي الذي يسدد بعضه بعضاً بموضوعة مطلقة لا مكان فيها للأهواء أو الآراء الكيفية، وحصر النشاط جميعه في إطار الصالح العام.

 

الظواهر الثقافية في مرجعية السيد الشيرازي:

وإذ يتمثل ما قدمنا من خطوات حضارية في مرجعية السيد الشيرازي قدس سره، تبرز لنا ظواهر موضوعة أخرى تعنى بالثقافة الإسلامية نتيجة لتلك الأصول الثابتة في التأسيس، وهي ظواهر متعددة، أشير بالبحث فيها إلى أربع ظواهر:د

 

الظاهرة الأولى:

كان المناخ السائد في العراق أدبياً يؤكد سيادة الشعر العربي من دون النثر، وذلك أن بيئة العراق بعامة بيئة شعرية، وكانت النجف الأشرف وكربلاء المقدسة وبغداد، قد أبرزت مشاهير الشعراء في الوطن العربي، وكانت المهرجانات التاريخية والاحتفالات الجماهيرية، ومحافل المنبر الحسيني الشريف تبرز هذه الظاهرة بأجلى صورها، وتلك حقيقة ثابتة يدل عليها الاستقراء، وكان الميل إلى الكتابة والنثر متضائلاً إلا في حدود الإعلام والصحافة، وهو أقل ممارسة بكثير بالنسبة إلى الشعر في شتى أغراضه نظماً وحفظاً وتدويناً وإذاعة، حتى إذا اتسعت الظروف لاحتضان مشكلات العصر، وتلاقحت الثقافية المصرية واللبنانية نثراً بالثقافة العراقية، بدأت الحاجة إلى الكتابة والتأليف والمقالة والقصة حاجة ماسّة وملحة، وهنا نجد توجه السيد الشيرازي قدس سره في كربلاء متجاوباً مع هذه الظاهرة، وذلك بتبني الأفكار الجديدة الداعية إلى خوض ميادين التأليف والنشر مضافاً إلى ماهو شائع من ذيوع أمر الشعر، فأسس في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين سلسلة أسماها: «منابع الثقافة الإسلامية» لتزود المكتبة العربية بكتاب متوسط الحجم في مطلع كل شهر، واستمر هذا الانتاج الجديد عشر سنوات متوالية، فتلاقفته الأيدي بإقبال وحماس شديدين، مما أوجد حالة دعائية وتثقيفية في مجالات الإسلام الإعلامية والسياسية الاقتصادية والتاريخية والتربوية وسوى ذلك.

هذا المشروع الضخم كان بداية حضارية في رؤية معاصرة، لم يسبق إليها في العراق بهذا الشكل مما دعا الشباب المسلم المثقف إلى الالتفاف حوله، والإفادة من أطاريحه الواعية، وما إن ثبت هذا المشروع على قاعدة صلبة من التصميم حتى رأينا جيلاً ناهضاً يتدافع كالسيل للمشاركة فنياً وأكاديمياً وتحريرياً في هذا الأتجاه، مما يعني أن المترجم له كان حجر الأساس في إشاعة فن النثر وعالم التأليف في العراق.

وكان لي شرف المساهمة بهذا المشروع بإصرار كبير من السيد الشيرازي نفسه، فألفت للسلسلة كتاباً بعنوان«إنسانية الدعوة الإسلامية» في حدود (100) صفحة، وما لبث أن نفذ من الأسواق بسرعة مذهلة، وطبع طبعة ثانية.

 

الظاهرة الثانية:

نتيجة للحملات الظالمة التي شنت بضراوة ضد المبادئ الاسلامية، لم يجد السيد الشيرازي قدس سره، أن سلسلة «منابع الثقافة الإسلامية» كافية لصد هجمات أعداء الإسلام، فانبرى هو وأخوه الشهيد السعيد المجاهد السيد حسن الشيرازي إلى تكريس جهودهما في النشر والتأليف في شتى الفنون المعرفية المنبثقة عن الإسلام، لإشاعة الطرح الإسلامي في احتواء قضايا العصر، وصيانة شباب الأمة من الانحراف والانزلاق، إن لم أقل المئات في الدعوة، والدعاة، والتبليغ، والسياسة والتربية، والاجتماع، والأقتصاد الإسلامي، وشؤون الدولة، والإدارة، والحقوق، والقانون، والفقه، على شكل كراسات ونشرات وكتب ومؤلفات، أتمكن أن أقول جازماً بأنها قد أغرقت الأسواق والمكتبات بتراث غض جديد، وبعرض جديد، وهو ما أتاح للشباب المثقف الأندماج الكلي في هذا الخط التبلغي الرائد، فصدرت بعده للمؤلفين العراقيين كتب قيمة تصب في هذا الرافد، ومعنى ذلك أن السيد الشيرازي له فضل السبق في إرساء حركة التأليف والنشر بأهداف رائدة في العراق بالتوجه الكتابي والتدويني مضافاً إلى الشعر المسيطر.

 

الظاهرة الثالثة:

ورأى السيد الشيرازي بفطرته الثاقبة ان الحياة متطورة تطوراً سريعاً بما يستجد على الساحة من اكتشافات وابتكارات علمية من جهة، وأن حركة غير اعتيادية من الإقبال على الموروث الإسلامي، فعمد إلى تأسيس مشروع «أجوبة المسائل الدينية» وهي تتولى الإجابة عن الأطاريح الجديدة، وتتمحض لنشر الإستفتاءات الشرعية برعايته وعنايته، فكانت هذه النشرة أو المجلة أو الدورية تؤدي دوراً رسالياً في تلبية حاجة المجتمع الإسلامي في الوصول إلى حقائق الأشياء.

وقد صدرت بانتظام طيلة عدة سنوات حافلة بالنشاط المعرفي في أجزاء متتابعة، كان لها الأثر الفاعل في غناء نفوس الشباب العراقي باللباب من المعارف الإسلامية بهدوء من دون ضجة، وبعمل جاد دون ثرثرة.

 

الظاهرة الرابعة:

وهي تستوعي نشاط السيد الشيرازي في الستينيات من القر