الصفات الإلهية: بين القدرة والعلم

alshirazi.net

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد:

الظاهر أن القدرة غير العلم، اما في الانسان فواضح، لان بينهما عموم من وجه، اذ الانسان قد يعلم ولا يقدر، وقد يقدر ولا يعلم، وقد يجتمعان.

وأما في الله سبحانه وتعالى فكل شيء في عين ذاته، وقد تقدم معنى تعدد الصفات، كونه قادراً عليماً ككونه حياً مدركاً، فالاختلاف في المتعلق والنسبة كما مثلنا سابقاً[1].

أما من قال: أن القدرة والعلم بينهما عموم مطلق، فان الانسان ربما يكون عالماً بشيء ولا يكون قادراً عليه الا ان يكون عالماً به، فهو الخلط.

ثم إن الله عز وجل قادر بذاته لا انه قادر بالقدرة، كما هو واضح عقلاً ونقلاً:

فعن محمد بن عيسى، عن محمد بن عرفة قال: قلت للرضا عليه السلام: خلق الله الأشياء بالقدرة أم بغير القدرة؟ فقال: «لا يجوز أن يكون خلق الأشياء بالقدرة، لأنك إذا قلت خلق الأشياء بالقدرة، فكأنك قد جعلت القدرة شيئاً غيره، وجعلتها آله له بها خلق الأشياء، وهذا شرك – إلى أن قال:- بل هو سبحانه قادر بذاته لا بالقدر»[2].

أقول: مثل أن نقول انه عالم بذاته لا انه عالم بالعلم، وانه حي بذاته لا انه حي بالحياة، إلى غيرها من الصفات الثبوتية.

ثم لا يخفى إن القدرة إنما تتعلق بشيء ممكن في ذاته وجوداً وعدما، دون الممتنع والواجب، مثل الجمع بين الضدين وارتفاع النقيضين أو ما أشبه ذلك، وليس ذلك نقصا في القدرة بل النقص في القابل وفي متعلق القدرة وهو الامتناع الذاتي.

ومن هنا تبين أن ما يسأله البعض من مصاديق الامتناع الذاتي غلط، فالإشكال حينئذ في القابل لا الفاعل، اذ يلزم أن يكون السؤال في دائرة القدرة والمقدور.

مثلاً:

القول بان الله قادر على أن يعدم نفسه؟

أو يخلق إلها آخر مثله؟

أو ألف سؤال وسؤال من هذا القبيل . . فكلها مما لا وجه له، فهو مثل أن يقال: هل العين قادرة على أن تسمع؟ أو الأذن قادرة أن ترى؟ أو ما أشبه ذلك . .

هذا بالإضافة إلى إن الشيء قد يستحيل فلا تعلق للقدرة به، مثل استحالة أن يخلق غير القادر شيئا أو غير العالم شيئا فيه آثار العلم، والإمام عليه السلام أشار إلى الجواب الثاني:

فعن الصادق عليه السلام قال: «قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن يصغر الدنيا أو يكَّبر البيضة؟ قال: إن الله تعالى لا ينسب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون»[3].

وهناك بعض الروايات جوابان آخران مرجعهما إلى بيان ما يمكن في مورد السؤال غير ما تقدم عن الإمام عليه السلام وهو بيان مالا يمكن منه:

فأحد الجوابين: أن يصغر الدنيا أو يكبر البيضة . .

والثاني: انطباع صورة الكبير في عدسة العين مثلاً . .

وقد أجاب الإمام عليه السلام في هذين الجوابين بان الله سبحانه وتعالى قادر عليهما، والظاهر انه عليه السلام كان يجيب كلاً بحسبه . .

فالجواب الأول هو الجواب البرهاني، أما الجوابان الآخران فكانا بقدر ذهن السائل.

كما انه ورد في رواية أن الإمام عليه السلام أجاب عن انه: لماذا لا يرى سبحانه وتعالى؟ بقوله عليه السلام: لأنه إذا كان يرى كان تذهيب هيبته.

 

إيجاد المعدوم وإعدام الموجود:

وعلى أي . . فالله سبحانه وتعالى ليس مضطراً إلى فعل أو ترك، بل هو قادر على كل شيء، وهذا هو معنى القدرة المطلقة، فهو عز وجل قادر على أن يبدل الحي ميتاً والميت حياً، والمعدوم موجوداً والموجود معدوماً.

اما القول من يزعم باستحالة تبديل العدم وجوداً، أو تبديل الوجود عدماً، فقد رده الحكماء والمتكلمون في كتبهم المفصلة، واشار الإمام الشيرازي الراحل قدس سره إلى ذلك في كتابه شرح التجريد[4] وغيره[5] مما لا حاجة إلى تكراره هنا.

لا يقال: يستحيل القدرة على الفعل والترك، لأنه إن وجدت علته وجب فلا يقدر على الترك، وان لم توجد امتنع فلا يقدر على الفعل.

لأنه يقال: بالإضافة إلى انه مصادم للبديهة، إن المراد أن القادر يوجد العلة فيوجده . . فيكون الأمران بيده، بخلاف الممتنع حيث لا يمكن إيجاده، وكذلك بالنسبة إلى الواجب الكائن الذي لا يمكن إعدامه.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــ

[1] انظر ما تقدم من الصفات الثبوتية لله عز وجل.

[2] عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج1 ص117 و118 ح7.

[3] التوحيد: ص130 ب9 ح9.

[4] القول السديد في شرح التجريد.

[5] انظر شرح منظومة السبزواري للامام المؤلف.