التجلي الإلهي.. حقيقته وأقسامه

alshirazi.net

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين المعصومين واللعنة الدائمة الأبدية على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين..

وبعد: التجلي لغة: الظهور[1]، وهذا المعنى صادق بالنسبة الى الله سبحانه وتعالى.. سواء كان الظهور بعد الخفاء أو لا، والمراد بأن الله ظهر بعد الخفاء: ظهور آثاره، فانه لم يكن خلق فلم يكن ظهور، من باب السالبة بانتفاء الموضوع، فلماء خلق صار ظهوراً كما في الحديث القدسي: (خلقت الخلق لكي أعرف)، فهو ربما يكون كقولهم: تجلّت الشمس في أفق السماء أي ظهرت من الضباب والسحاب، فتأمل، وقولهم: تجلّت العلّة بمعلولها بنفس المعنى، فإن المعلول سبب ظهور العلّة، كما قال عليه السلام:

وفي كل شيء له آية                        تدل على أنه واحد[2]

أما قول بعضهم بأن المراد: تجلّي الحقيقة الواحدة بأطوارها وأشكالها كتجلّي ماء البحر بصورة الأمواج، فهذا لا معنى له بالنسبة الى الله تعالى إطلاقاً، بل الدليل العقلي والنقلي كلاهما ينفيانه، وربما قال بعض الحكماء ومن اليهم ذلك بمعنى تجلّي حقيقة الوجود بالوجودات والأكوان الخاصة بالشرائط المخصوصة في الأزمان المختلفة، لكن ذلك ليس إلا مجرد اللفظ.

وبذلك تبيّن ان استدلال بعض القائلين بوحدة الوجود أو الموجود بألفاظ التجلّي وما أشبه ذلك الواردة في الآيات والروايات غير مرتبطة بما ذكروه إطلاقاً:

كما قال سبحانه: (فَلَمّا تَجَلّى‏ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى‏ صَعِقاً)[3].

وقوله صلى الله عليه وآله: «فتجلى لخلقه من غير ان يكون يرى»[4].

وقول علي عليه السلام: «فتجلّى لهم سبحانه في كتابه من غير ان يكونوا رأوه»[5].

إذ واضح ان المراد بذلك ظهوره علةً للموجودات، فإنه لو لم يكن موجوداً لم يكن له سبحانه وتعالى تجل وظهور من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

وقول الرضا عليه السلام: «بها تجلّى صانعها للعقول»[6].

وقوله عليه السلام: «متجلٍ لا باستهلال رؤية»[7].

وفي دعاء السمات: «وبمجدك الذي تجلّيت به لموسى كليمك عليه السلام في طور سيناء، ولإبراهيم خليلك عليه السلام من قبل في مسجد الخيف، ولإسحاق صفيك عليه السلام في بئر شيع، وليعقوب نبيك عليه السلام في بيت إيل»[8].

التجلي الخاص

ومعنى «التجلّي» ظهور آياته في تلك الأماكن[9] وغيرها، حتى اذعن الشخص المواجه لتلك الآيات ـ نبيّاً كان او غير نبي ـ بوجود الله سبحانه وتعالى، فان كان قبل ذلك مذعنا صار اذعانه في مرتبة أرفع من سابقه كما قالوا في مراتب اليقين وفي الأنبياء عليهم السلام فهو من باب اطمئنان القلب بهذا السبب أكثر فأكثر كما قال سبحانه: (أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى‏ وَلكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)[10].

وقد ورد عن الرضا عليه السلام قال: (فَلَمّا تَجَلّى‏ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) بآية من آياته (جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى‏ صَعِقاً)[11].

وعن علي عليه السلام: «فأبدى الله جلّ ثناؤه بعض آياته، وتجلّى ربنا للجبل فتقطع الجبل فصار رميماً وخر موسى صعقاً»[12].

والتجلّي لهؤلاء العظام غير التجلّي لكل مؤمن عادي أو للكافر، فإن الله يتجلّى لجميع الخلق حتى تكون له الحجة عليهم، أما التجلي لأوليائه وأنبيائه وأصفيائه، فهو يوجب لهم مزيد العناية والشوق والخوف واللذة وما أشبه.

وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أُسرى بي إلى السماء، بلغ بي جبرئيل مكاناً لمّا يطأه جبرئيل قط، فكشف لي فأراني الله عز وجل من نور عظمته ما أحب»[13].

والرؤية من نور العظمة إما في مراتب النور وإما في مراتب ادراك النبي صلى الله عليه وآله, فإن كليهما قابل للزيادة, وفي القرآن الكريم: (وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)[14].

نعم بالنسبة إلى مراتب نور الله لا منتهى لها, أما في مراتب ادراك النبي عليه السلام فحيث انه يمكن فهمها بلغ من الارتفاع لا يصل إلى اللامحدود الإلهية.

وعن ابي عبدالله عليه السلام قال: «جاء حبر الى امير المؤمنين عليه السلام: فقال يا أمير المؤمنين: هل رأيت ربك حين عبدته؟ فقال: ويلك ما كنت أعبد ربا لم أره؟ قال: وكيف رأيته؟ قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدته الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان».

الإمام الحسين عليه السلام والتجلي الخاص:

وفي دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام: «الهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار, فاجمعني عليك بخدمة توصلني اليك ـ الى ان قال: ـ الهي هذا ذلي ظاهر بين يديك, وهذا حالي لايخفى عليك, منك اطلب الوصول اليك, وبك استدل عليك, فاهدني بنورك اليك, ـ الى ان قال ـ الهي حققني بحقائق اهل القرب, واسلك بي مسلك أهل الجذب ـ إلى أن قال: ـ أنت الذي ازلت الاغيار عن القلوب احبائك, حتى لم يحبوا سواك, ولم يلجؤوا إلى غيرك, أنت المؤنس لهم حيث اوحشتهم العوالم, وأنت الذي هديتم حيث استنابت لهم المعالم, الهي ماذا وجد من فقدك, وما الذي فقد من وجدك؟, لقد خاب من رضي دونك بدلا, ولقد خسر من عنك متحولا ـ الى ان قال: ـ يا من اذاق احباءه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملقين ـ الى ان قال: ـ الهي اطلبني برحمتك حتى اصل اليك , واجذبني بمنك حتى اقبل عليك»[15].

وقد فسرنا هذا الدعاء مفصلاً في كتاب «شرح الدعاء والزيارة»[16] مما لا حاجة هنا الى تفسيره.

الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام:

وعن زين العابدين عليه السلام: «الحمد لله على ما عرَّفنا من نفسه، والهمنا من شكره»[17].

ومن المحتمل ان تكون «من» تبعيضية لا نشوية، لأن الإنسان بما هو هو لا يعرف إلا بعض نفس الله، أي آثاره تعالى، ولا يتمكن الا بعض شكر الله ذلك من لوازم الإمكان، كما لا يعرف بنفسه بما هي هي من دون إلهام الله سبحانه وتعالى أو وحيه إلا بعض خصوصيات الشكر لا كله.

الإمامين الباقرين عليهما السلام:

وعن يعقوب ابن اسحاق قال: كتبت الى ابي محمد عليه السلام اسأله: كيف يعبد العبد ربَّه هو لا يراه؟ فوقّع عليه السلام يا يا أبا يوسف جلَّ سيدي ومولاي والمنعم عليَّ وعلى آبائي ان يُرى، قال: وسألته هل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ربه؟ فوقَّع عليه السلام:إن الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحب»[18].

وعن ابي بصير عن الصادق عليه السلام قال: قلت له: أخبرني عن الله عزّ وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: «نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة، فقلت: متى؟ قال: حين قال لهم: ألست بربكم قالوا: بلى، ثم سكت ساعة، ثم قال: وان المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، ألست تره في وقتك هذا؟ قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك فأحّدِّث بهذا عنك؟ فقال: لا، فإنك إذا حدثت به فأنكر منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثم قدّر ان ذلك تشبيه كفر، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى الله عمّا يصفه المشبّهون والملحدون»[19].

 

المناجاة الشعبانية:

وفي المناجاة المشهورة في شهر شعبان: «وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل الى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك»[20].

ثم ان الله سبحانه وتعالى هو الذي يجعل الدليل عليه بحيث يشاهد الإنسان ذلك الدليل فيصل اليه، فالأمر منه واليه، حتى جانب الإدراك ايضا من الله عز وجل.

ولذا ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: «هو الدال بالدليل عليه، والمؤدي بالمعرفة اليه»[21].

ثم ان الله هذا هو التجلي الخاص لعباد الله المؤمنين من الأنبياء والصالحين والأولياء المقربين.

 

 التجلي العام

ولله سبحانه وتعالى تجلٍ أعمّ، خصوصاً في الشدائد، كما أشير الى ذلك في آيات من القرآن الكريم مثل قوله سبحانه: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)[22].

وقوله تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُم مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ)[23].

وقال سبحانه: (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً*وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُوراً)[24].

وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى‏ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ  مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ  الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَ‏ مِنَ الشَّاكِرِينَ*فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)[25].

وقال سبحانه: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِن هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ*قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ)[26].

وقال تعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ*ثُمَّ إِذَا  كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ*لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)[27].

وقوله سبحانه: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى‏ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ  أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)[28].

وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَمْ يَدْعُنَا إِلَى‏ ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[29].

وقال سبحانه: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)[30].

وقال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ*بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَاتُشْرِكُونَ)[31].

الى غيرها من الآيات والروايات الدالة على التجلي العام لله سبحانه وتعالى بالمعنى الذي ذكرناه، حتى على المشركين والمنافقين ومن اشبههم من غير المؤمنين هذا بالإضافة الى ما يدل على التجلي للأولياء المقربين.

وقد تكون من مصاديق التجلي: الهدايتان المؤشر اليهما في القرآن الحكيم:

فقوله سبحانه: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)[32] يراد به الإيصال الى المطلوب.

وقوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى‏ عَلَى‏ الْهُدَى‏)[33] يراد به الهداية العامة وإراءة الطريق وان لم تكن موصلة، وذلك للاشكال في القابل فان الذي أري له كان معاندا، او ما أشبه.

والحمد لله رب العالمين.

------------------------------------------     

[1] لسان العرب مادة جلى.

[2] تفسير القمي: ج2ص267.

[3] سورة الأعراف: 143.

[4] علل الشرائع: ص119ب9ح1.

[5] نهج البلاغة: الخطبة 147الفقرة2.

[6] نهج البلاغة: الخطبة 186 الفقرة7.

[7] الكافي: ج1ص138ح4.

[8] مصباح المتهجد: ص418.

[9] مما ورد في دعاء السمات.

[10] سورة البقرة: 260.

[11] سورة الأعراف: 143.

[12] عيون اخبار الرضا عليه السلام: ج1ص201.

[13] التوحيد: ص108.

[14] سورة طه: 114.

[15] الإقبال ص349و350.

[16] يقع الكتاب في عشر مجلدات/ مخطوط.

[17] الصحيفة السجادية: ص24.

[18] التوحيد: ص108 باب ما جاء في الرؤية ح2.

[19] التوحيد: ص117ح20.

[20] الإقبال: ص687.

[21] الإحتجاج:ص201.

[22] سورة العنكبوت: 65.

[23] سورة لقمان: 32.

[24] سورة الإسراء: 66و67.

[25] سورة يونس: 22و23.

[26] سورة الانعام: 63و64.

[27] سورة النحل: 53ـ55.

[28] سورة الزمر:49.

[29] سورة يونس:12.

[30] سورة الزمر:8.

[31] سورة الانعام: 40و41.

[32] سورة الحمد:6.

[33] سورة فصلت: 17.