موضوع نجل سماحة المرجع الشيرازي بالجلسة الفكرية السابعة عشرة:

كارثة الجمود وضرورة إعادة الهيكلة

كان: (كارثة الجمود وضرورة إعادة الهيكلة)، موضوع الجلسة الفكرية العلمية السابعة عشرة لنجل المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، حجّة الإسلام والمسلمين السيّد حسين الشيرازي، ضمن سلسلة جلساته الفكرية العلمية الموسومة بـ(معهد الانضباط وقهر المستحيل).

عقدت هذه الجلسة عصر يوم الخميس المصادف للواحد والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام1440 للهجرة الموافق للـ(25/7/2019م). 

حضر في هذه الجلسة أعضاء مكتب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله وفضلاء وأساتذة الحوزة العلمية ورجال دين، وضيوف من العراق. 

كان مما ذكره نجل سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في هذه الجلسة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعترته الطيبين الطاهرين

ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين

ـ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يغَيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يغَيرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ) (الرعد/11).

وقال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ) (يونس/14).

ـ نهج البلاغة: «من اعتدل يوماه فهو مغبون» تواترت كتب الحديث انه بينا اميرالمؤمنين عليه السلام ذات يوم جالس مع أصحابه يعبّئهم للحرب، اذ أتاه شيخ عليه شجبة السفر (الشاحب: تغير اللوم والجسم من مرض أو سفر).

فقال: اني أتيتك من ناحية الشام وانا شيخ كبير قد سمعت فيك من الفضائل ما لا اُحصي واني اُضنّك ستُغتال (ستقتل) فعلّمني مما علمك الله، فقال عليه السلام: نعم يا شيخ... أقول: في هذا المقطع القصير من كلام امير المؤمنين عليه السلام من النكات والتقريع والتأنيب والتحفيز ما لا يعد ولا يحصى، اذ يستحيل على الانسان تفادي التعادل والاستواء بين السنوات من عُمُره بل العقود من السنوات فكيف باليومين.

ـ يجب اعادة الهيكلة باستمرار وتجديد النظر يومياً في اركان الانضباط الثلاثة (الفكر والنفس (المزاج) والسلوك) وخلق الابتكار والتغيير اليومي فيها لمواكبة متغيرات الحياة وتجددها في كل يوم بل في كل ساعة منه.

ـ ضرورة الاستجابة للتغير والمبادرة لتجديد يشمل جميع ابعاد الحياة ولا يكاد تنحصر في شيء منها لعدم انحصارهما من الحياة في شيء، فيجب أن نرفع البصر باستمرار ودون توقف ناحية التطورات الهائلة المتجددة كل يوم.

ـ صوت التجديد والابتكار والتغيير، واهن ورقيق للغاية وبسهولة بالغة يتم تجاهله وتغافله بل إعاقته وسحقه، ومنحه كبسة دليت (حذف) من الفكر والبال فور انبثاقه، وفي مواجهته فان صوت الإحجام والتوقف صاخب جداً.

ـ عملية التجديد والتغيير قد تطال الذات بابعادها الاساسية الثلاثة وهي أركان الإنضباط، وهي محل النظر والبحث في هذا اليوم، وقد تطال المشاريع والمؤسسات والانظمة الحياتية فهي بالرغم من ضروريتها البالغة الا أنها أخطر العمليات على الإطلاق وهي اكثر الأخطاء الفادحة التي تصدر من ابرز القادة والمدراء والاذكياء والعظماء، بل هي العامل الرئيسي لفشل وانهيار المشاريع الكبرى على مرّ التاريخ وتعاقب الازمان.

ـ وتيرة التغيير والتجديد اليوم اصبحت متسارعة وذات ايقاع سريع بلا حدود، والعجيب أن الاستجابة للتغيير والتجديد اصبحت اليوم واهنة وفاترة للغاية، فاصبح هذا العصر عصر خيبة الأمل وانقراض الانسان.

ـ ليس أفضل تقدير وتعظيم واِجلال لأفضل ما تعلمناه في الحياة هو التمسك والاحتفاظ والتشبث بما تعلمنا من افضل العلوم والمعارف، بل ان افضل تقدير لها هو محاولة نسيانها بل تناسيها ونعمّد محوها من ذاكرتنا ومسح متعلقاتها وشواهدها وكل ما يعزّز استقرارها وثباتها كالقصص والخواطر والادلّة النصية والمواد العلمية، وذلك ليتسنّى المجال لتعلم كل ما هو جديد واستيعابه.

ـ الظروف الادارية القاسية مثل نقص الموارد المالية ونقص المُعدات الحديثة بسبب الحرب والمواجهة والحصار او أي عامل من هذا القبيل،تفرض هذه الظروف مواكبة النظام العتيق والاجهزة القديمة، لكنها ابداً لا تفرض مراعاة المهندسين والخبراء والمحترفين من الطراز القديم، فعلى الانسان أن يواكب ويتكيف وفق المناهج الجديدة التي تفرضها الحياة باستمرار، والا فعليه ان يرحل.

ـ اصبحت الأهداف والاستراتيجيات اليوم متغيرة بوتيرة اسرع من التاكتيكات الماضية وذلك لتسارع وتيرة التغيير في الحياة سواء في السياسة ام الاقتصاد ام الاجتماع ام الاعلام ام الادارة.

ـ الجمود والاستمرارية وتجنب التجديد والتغيير بما فيها من الابتذال بحيث يشين وجه الحياة الا انها قد تصبح ضرورية للغاية في مجال المشاريع والمؤسسات والانظمة وذلك بسبب اشتمالها على المصالح الكبرى 1) كتعزيز الاستراتيجية 2) تمكن الميزة التنافسية 3) المحافظة على العملاء والاتباع والوسطاء 4) تجذر القناعة بالأهداف 5) تطوير مهارات لخلق مستويات فريدة 6) تقوية الاسس والاصول المادية والمالية، الى غيرها من اصناف المصالح التي قد تكون على حساب مصالح اخرى مهمة للغاية لكن لا ترتقي في الأهمية للمصالح المراعاة بالجمود، لكن لا يتصور ذلك ابداً فيما نحن فيه من تطوير الذات.

ـ أهون الخسائر التي تخلقها وتقدمها المعرفة القديمة والمهارات القديمة (حتى التي ليست بالقديمة جداً) اُمور عديدة: 

1) مساحة التخزين في الدماغ رغم سعتها الهائلة الا انها محدودة بحيث تستلزم فقدان الكثير من انواع البيانات الأساسية القديمة بسبب تدفق يومي لبيانات جديدة، لذا يستدعي ذلك القيام بحذف وتناسي سلسلة من البيانات والمهارات وفي كل يوم للحيلولة دون حصول حذف في البيانات الاساسية.

2) التزاحم والتنافس والتداخل بين البيانات وبين المعرفتين القديمة والجديدة وهي من دواعي حصول التشتيت والتذبذب والتأرجح والتراوح بين المعرفتين بل من دواعي خلق مفاهيم هجينة تعارض كليتي المعرفتين وتتوضهما.

3) التدخل الاستباقي للبيانات القديمة بسبب ترسخها وتوطيدها وتمكنها من عقولنا وانتباهاتنا وامزجتنا، وهو مما يعيق البيانات الجديدة التي لا تنعكس على القرارات والافكار الا ببُطئ وتعثّر.

4) العمى الموقفي: اعاقة الرؤية بسبب امتلاك المخزون الهائل من البيانات وفشل اختيار سُلّم الاولويات والأوليات بسبب تعثر عملية المعالجة نتيجة الحجم الهائل.

5) الضحالة المعيشية: فالجدية والاجتهاد والأهداف والخطط الاستراتيجيات والتاكتيكات والرؤية والآمال وبذل الطاقات الفكرية والعصبية وانفاق الاموال وامثالها كلها تصبح اُموراً تافهة تحول الناس الى طواحين بشرية.

ـ قال صلى الله عليه وآله: «ان الله لا ينتزع العلم انتزاعاً، ولكن ينتزعه بموت العلماء...». أقول: ليس اسوأ شيء في الحياة أن لا نشرّب العلم والمعرفة من العظماء والعباقرة فيحصل انتزاع العلم بموت العلماء، بل ان اسوأ شيء في الحياة هو تشرّب العلم والمعرفة منهم دون السعي الى التجديد، فانه نوع آخر من موت المعرفة والعلم وبأفدح من سابقه، لانه افراغ للمعرفة عن جوهرها وتجريدها عن محتواها وتحويلها الى ضدها بقدم المواكبة والتجديد.

ـ كل انواع الجودة والمتانة والتميز والأفضلية بل حتى المقاييس العالية منها، معرّضة للزوال في كل لحظة، فهذه العناوين تولد على مشارف وارصفة الزوال والاضمحلال بسبب شدة ظروف المنافسة.

ـ الفرق بين (الانتاج) و (القدرة على الانتاج): افضل واكد موارد التغيير يحصل في منعطفات الحياة وعندما تحصل تغييرات جذرية في الحياة، لكنها تناط بالتهيئ والاستعداد المناسب، فقد قال تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) (التوبة/46) وعندما لا يلوح في الافق بوادر حصول الفرصة فان الاستجابة لتأهيل الذات وتحقيق المهارات المناسبة تصبح متعسّرة للغاية بسبب النظرة الخاطئة والقدمية لتلك المهارات وذلك التأهيل، وان عدم احتمالية توفر الفرصة للممارسة المهارات يفقدها ويجردها عن قيمتها، رغم أن قيمتها ذاتية تماماً ولا شأن لمقدميتها للممارسة بقيمتها أبداً، فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: «قيمة كل امرءٍ ما يحسنه» علق السيد الرضي (جامع كلمات نهج البلاغة) على هذه الجملة بقوله: «هذه الكلمة لا تصاب لها قيمة ولا توزن بها حكمة ولا تقرن اليها كلمة» السيد الرضي، امام البلاغة.