التقرير الكامل للجلسات العلمية الرمضانية التاسعة والعاشرة والحادية عشر

لسماحة المرجع الشيرازي دام ظله

الجلسة التاسعة بتاريخ الثامن من شهر رمضان العظيم 1440 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

 

* لزوم الفحص في خمس المعدن:

في بداية الجلسة أشار سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) إلى بحث الليلة الماضية في مورد وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية، وذكر موردين آخرين ذكرهما المرحوم السيّد في (العروة)، وأفتى بلزوم الفحص، أو القول بالاحتياط الوجوبي، وقد أيّد أغلب المحشّين قوله.

المورد الأول: في خمس المعدن، فيقول صاحب (العروة):

(المسألة 13): «إذا شكّ في بلوغ النّصاب وعدمه الأحوط الاختبار»، والاختبار يعني الفحص، إذا شكّ هل أنّ هذا المعدن وصل إلى حدّ النّصاب حتى يتعلّق به الخمس، أم لم يصل، فلا يلزم الفحص، مع أنّ نصاب المعدن من الشبهات الموضوعية.

احتاط صاحب (العروة) احتياطاً وجوبياً، ولم يلزم بالفحص، وفي (العروة) التي فيها 41 حاشية، فقط اثنين أو ثلاثة الذين كتبوا حاشية، وقالوا: بعدم لزوم الاختبار، ولكن الأكثرية أيّدوا كلام المرحوم السيّد، وبعضهم غيّروا احتياط صاحب (العروة) بالفتوى، كالمرحوم الميرزا النائيني، الذي قال: «بل لا يخلو من قوّة»، وكذلك المرحوم السيّد صدر الدين الصدر، والمرحوم السيّد البروجردي، والمرحوم الأخ (رحمهم الله جميعاً).

قال أحد الحاضرين: من الممكن في هذا المورد لا يلزم الفحص بسبب العدد؟

قال سماحته: كلا، في بعض الموارد التي لا يكون البحث عن العدد، فإنّ الفقهاء أعطوا الاحتياط، أو أفتوا بوجوب الفحص، وعلى سبيل المثال: إذا شكّ في مانعية مقدار من الزيت الموجود على جسمه، لا يعلم هل أنّ هذا المقدار يمنع من وصول الماء إلى البشرة، أو ليس هناك مانع من أجل الوضوء والغسل، فقالوا: لابدّ له من الفحص، ولا يستطيع أن يجري استصحاب عدم المانع.

 

* لزوم الفحص في استطاعة الحجّ:

المورد الثاني: في باب الحجّ ومسألة الاستطاعة ومصاريف الحجّ.

الاستطاعة موضوع وشرط لأجل وجوب الحجّ، وذكر صاحب (العروة) في فصل شروط وجوب حجّة الإسلام، وقال:

«إذا شكّ في مقدار ماله، وأنه وصل إلى حدّ الاستطاعة أم لا، هل يجب عليه الفحص أم لا؟ وجهان، أحوطهما ذلك». وإذا شكّ أن أمواله هل وصلت إلى حدّ الاستطاعة أم لا؟ أي لا يعلم هل هو مستطيع أم لا؟ فهذه الشبهة هي الشبهة الموضوعية، وقال صاحب (العروة) بالاحتياط الوجوبي، ولزوم الفحص.

أيّد ذلك معظم المحشّون ولم يحشّوا عليها، وقال بعضهم بذلك الاحتياط الوجوبي لصاحب (العروة)، ومجموعة أخرى غيّروا الاحتياط إلى الفتوى، كمثل: المرحوم الميرزا النائيني، والمرحوم الصدر، والمرحوم السيّد أبو الحسن الأصفهاني، والمرحوم الاصطهباناتي، والمرحوم السيّد البروجردي، وبين 41 حاشية هناك ثلاثة فقط قد كتبوا حاشية بأنّ الفحص غير واجب.

ثمّ ذكر صاحب (العروة) فرعاً آخر للمسألة، فإذا كان يعلم مقدار ماله، ولكنه لا يعلم هل أنّ هذا المقدار كاف للحجّ؟ وهل يكفي لمصاريف الحجّ أم لا؟ وفي هذا المورد أيضاً قد أوجب الفحص بناءً على الاحتياط، وقال: «وكذا إذا علم مقداره، وشكّ في مقدار مصرف الحجّ، وأنه يكفيه أو لا».

مع أنّ عموم «رفع ما لا يعلمون» يشمل الشبهات الموضوعية والحكمية، ومدلولها ارتفاع أيّ شيء لا علم له به، أمّا لماذا قال كثير من الفقهاء: لا تجري الأدلة الترخيصية في الشبهات قبل الفحص؟

نعم، إذا فحص ولم يصل إلى نتيجة، فحينئذٍ يجري أصل التّرخيص.

لأنّه إذا كانت الأدلّة الترخيصية لفظية، كمثل: «رفع ما لا يعلمون»، فهي منصرفة عن ما قبل الفحص، وإذا كانت عقلية كمثل «قبح العقاب بلا بيان»، فإنّ العقول يقول: عقاب مثل هذا الشخص الذي كان باستطاعته الفحص ولم يفحص، وبعد ذلك علم بأنه كان تكليفياً، فليس قبيحاً، أي عند العقل ليس معذوراً مثل هذا الشخص.

المثال العرفي على ذلك: إذا وصل إلى أسماع عبد صوت سيّده، وشكّ هل أنّ سيّده قد ناداه، ويريده في عمل ما؟ أم أنّه كان مع الآخر؟ وكان يستطيع أن يفحص، ولم يكن هناك مشكلة كمثل العسر الحرج، ومع ذلك لم يفحص، ثمّ علم بعد ذلك أنّ السيّد في الواقع كان يناديه بالفعل، ولديه حاجة معه، فهل هذا العبد عند العقلاء معذور؟ الجواب: كلا.

قال أحد الحاضرين: ومع إجراء الأصل الموضوعي، لن يصل الدور إلى الأصل الحكمي.

قال سماحته: أصل البحث هو: هل يجري الأصل الموضوعي أم لا؟

 

* تتمة البحث في أعضاء الأجنبية:

سأل أحد الفضلاء مجدّداً حول المسألة التي طرحت في الليلة السّابقة، وقال: النظر أو لمس العضو المفصول من جسم الأجنبية الذي وقع جانباً، منصرف عن الأدلّة، وليس مورداً للرغبة، فكيف إذا كان مقزّزاً أيضاً، فإذاً علّة الحرمة، وهي إثارة الشّهوة، منتفية تماماً.

قال سماحته: ليس من المعلوم أنّ علّة الحرمة هي الرّغبة والإثارة، بل في هذه الموارد حكمة، وعلى سبيل المثال، إذا كانت امرأة عجوزة، وكبيرة في السنّ في حالة الوفاة، والنّظر إليها ليس فيه محلاً لإثارة الشّهوة أبداً، فهل يجوز النّظر إلى جسمها؟ الجواب: كلا.

الإطلاقات، ملاك الأحكام وليست حكمتها، وما نحن فيه هي إطلاقات حرمة النّظر إلى الأجنبية، إلاّ الكفّين والوجه بناءً على الاستثناء فيهما، وهي تشمل العضو المفصول أيضاً والانصراف منها غير محرز.

كما سأل أحد الفضلاء، بقوله: موضوع الحرمة: نظر الأجنبية، وهو لا يصدق على قطعة مفصولة عن الأجنبية؟

أجاب سماحته: وأين الدّليل بأنّه يجب أن يكون الجزء متّصلاً حتى تصدق الأجنبية؟ ولا تصدق على الجزء المنفصل عن الأجنبية، ألا يقولون: هذه يد لفلان السيّدة، يد الفتاة الفلانية، الزوجة الفلانية، الأخت الفلانية؟

قال أحد الحاضرين: إذا تمّ زرع يد المرأة الأجنبية بجسم الرجل، فما هو الحكم؟

قال سماحته: في هذه الحالة تأخذ عنوان جديداً، وعرفاً تعدّ يد الرجل، ولا يقال لها يد المرأة، بل يقال: كانت يد فلان السيّدة، وبناءً على ذلك فمع التّغيّر تغيّر موضوع الحكم، وهو تابع لموضوع جديد.

كما أنّ الفقهاء قد ذكروا هذه المسألة في أبواب مختلفة، مثلاً: إذا زرعوا دم الحيوان المتدفّق النجس داخل حيوان ليس له دماً متدفّقاً، وأصبح جزءاً من جسم الحيوان الثاني، فيعدّ طاهراً، لأنهم يقولون: الموضوع قد تغيّر.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

 

الجلسة العاشرة بتاريخ التاسع من شهر رمضان العظيم 1440 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

* كلام السيّد البروجردي:

في بداية الجلسة سأل أحد الفضلاء: نُقل عن المرحوم السيّد البروجردي، أنّه قال: إذا كانت لمسألة روايات كثيرة، ولم تكن جميعها معتبرة، وكانت فقط بينها رواية صحيحة واحدة، ولهذه الرواية الصحيحة إضافات على بقيّة الرّوايات التي لا توجد في الرّوايات الأخرى، لا نستطيع على أساس تلك الرواية الواحدة الفتوى لكل واحدة من تلك الألفاظ، بل لابدّ أن نرى ماذا يستفاد من مجموعة تلك الروايات، فما رأي سماحتكم؟

قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: ليس واضحاً بأنّ هذا كلام ورأي السيّد البروجردي، ومن الممكن أن الناقل لم ينقل بدقّة. وفي مقام التّنجيز والتّعذير الحجّة ملاك، وإذا كانت رواية واحدة مسندة على الفتوى، وكانت تجتمع فيها شروط الحجّية، يكفي للمجتهد.

 

* شروط حجيّة الرّواية:

وفي باب الحجيّة لابد أن تكون في الرواية خمسة أشياء، وهي:

1- اعتبار السند.

2- ظهور الدّلالة.

3- إحراز الجهة، ولا تكون صدورها تقيّة.

4- عدم الإعراض.

5- عدم المعارض. والمرحوم البروجردي نفسه قد أعطى فتوى في كثير من الموارد برواية معتبرة واحدة.

نعم في القواعد المهمّة الأصوليّة كالاستصحاب والبراءة التي تتفرّع عنها مئات الفروع، وكذلك قيل في أصول العقائد بأنّ رواية معتبرة واحدة لا تكفي، بل لابدّ أن يحصل العلم والاطمئنان، وأمّا في عموم المسائل الفرعية، فنحن نبحث عن الحجيّة بمعنى المنجّز والمعذّر.

 

* شبهة النقل بالمعنى:

سُئل: هناك شبهة بأنّ الروايات التي بأيدينا، ليست هي عين ألفاظ المعصوم (عليه السلام)، ويمكن أنها نقلت بالمعنى، وفي هذه الحالة كيف تكون حجّة؟

قال سماحته: أولاً لقد أجاز الأئمة (عليهم السلام) النّقل بالمعنى مع حفظ المؤدّى، وقد وردت في الرواية بأنه قيل للإمام (عليه السلام): في بعض الأحيان أنسى عين الألفاظ التي قلتم بها، وأريد أن أنقل حديثاً عنكم.

فقال الإمام (عليه السلام): «إن كنت تريد المعنى فلا بأس».

عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص؟ 

قال: «إن كنت تريد معانيه فلا بأس».

من ناحية أخرى، فإنّ وثاقة الرّاوي وضبطه هو عندما ينقل حديثاً أو حكماً عن المعصوم (عليه السلام) فإنّ الأصل لا يغيّر المعنى، وينقل المعنى من دون زيادة أو نقيصة.

 

* اختلاف النسخ:

وقال أحد الحاضرين في الجلسة: الشبهة الأخرى التي طرحها بعض: هي كثرة اختلاف النسخ، ألا يؤدّي هذا الاختلاف إلى قلّة الوثوق للروايات؟

قال سماحته: نسبتها قليلة جدّاً، وعلى سبيل المثال: بين أربعين ألف رواية وردت في (الرسائل)، لا توجد هناك خمسين رواية التي أدّت اختلاف النسخ إلى تغيير المعنى، وهذه الشبهة هي شبهة غير محصورة، ولا يكون المنجّز واقعاً محتملاً.

في القتل واحتماله من أهمّ الأمور عند العقلاء، إذا كانت الشبهة غير محصورة، فإنّ العقلاء يجوّزون الإقدام، كمثل أن يعلم أنّ من بين مائة ألف سيارة، في يوم واحد هناك خمسة حوادث للسيارات، وهذا الاحتمال وهذا اليقين، لا يكون عند العقلاء مانعاً من الإقدام والحركة.

ولدينا في الرّوايات أنّ المعصومين (عليهم السلام) كانوا يقولون لبعض الأشخاص: «اجلس وأفت».

كما قال ذلك الإمام الصادق (عليه السلام) لأبان بن تغلب: «اجلس في المسجد، وأفت الناس».

مع العلم أنّ أبان لم يكن معصوماً، وكيف به إذا كان يخطأ، ولكن عدّة موارد من الأخطاء بين مئات وآلاف المسائل الفقهية، لا يُعتنى بها.

قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «اجلس في مسجد المدينة، وأفت الناس، فإنّي أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك» .

 

* وعليكم التفريع:

سُئل: هل أنّ جملة: «علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع»، هي رواية؟

قال سماحته: نعم، هي رواية.

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّما عليكم أن نلقي إليكم الأصول، وعليكم التّفريع».

وعن الإمام الرضا (عليه السلام)، قال: «علينا إلقاء الأصول، وعليكم التفريع». ولكن إذا لم تكن مثل هذه الرواية، فطبق القاعدة فإنّ الحكم هو هذا، وحينما يذكر المعصوم (عليه السلام) أصلاً وكبرى كليّاً كالاستصحاب أو قاعدة الفراغ، فإنّ أهل الخبرة يستطيعون تطبيق الكبرى على الصغريات.

 

* سبب حرمة النظر:

سُئل: هل نستطيع أن نستفيد من مجموعة الآيات والروايات التي وردت حول حرمة النّظر إلى الأجنبية، بأنّ سبب الحرمة هي إثارة الشّهوة، وبناءً على هذا إذا لم يكن في مورد ما هذا السبب موجوداً، لا تكون هناك حرمة النظر أيضاً؟

أجاب سماحته: كلا، نحن لا نعرف ما هي العلّة التامّة للأحكام، ومن الممكن أن تكون فيها حكمة، ولذلك حتى لو كان الشخص مؤمناً، وهو بالتّأكيد لا ينظر بريبة، ومع ذلك لا يجوز له أن ينظر إلى شعر وجسم المرأة الأجنبيّة، وإذا كان شيء قانوناً إلهياً فهو يجري على الجميع. وقد وردت في الرواية أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يغسل الجسم المطهّر للرسول (صلى الله عليه وآله)، فجاء الشيطان، وقال للإمام (عليه السلام): هل أنّ جسم النبي يتنجّس مع الموت حتى تقوم بغسله؟ فقال الإمام (عليه السلام): كلا لا يتنجّس، وجسم النبي (صلى الله عليه وآله) طاهر مطهّر، ولكن قانون الله سبحانه يجري على الجميع.

 

* الوكالة من جانب عدّة أشخاص:

وحول المسألة التي طرحت في الليالي الماضية، سُئل: إذا قام شخص بالوكالة عن خمسين شخصاً حتى يستأجر لهم أشخاصاً للصلاة أو الصيام أو قراءة القرآن، وأن يأخذ لكلّ واحد منهم نائباً، وقد ذكرتم سماحتكم قبل ذلك بأنّه يجب من النية والتّعيين، فما السبب؟

قال سماحته: السبب أنّ في العبادة، النيّة والقصد مدخلية، والاشتغال اليقيني يحتاج إلى الامتثال اليقيني، ومن دون تعيين ليس واضحاً أن يتحقّق الامتثال، وبالأخص في الصلاة والصيام الاستيجارية وهي أمانة وعلى الشخص الوكيل أن يحرز بأنّ الأمانة تُؤدّى بشكل صحيح، ومن دون أيّ تعيين ولو إجمالاً ليس محرزاً أنّ الامتثال قد تحقّق.

والفقهاء الذين رأيتهم أنا كانوا يقومون بـ: في الصلاة والصيام الاستيجارية التي كانت تجلب إليهم حتى يعطوها لأشخاص ثقة، كانوا ينوون بأنّ هذا المبلغ من طرف الشخص الأول، وهكذا، نعم من الممكن أن يقول أحد بأنّ هذا العمل نوع من الاحتياط الاستحبابي، وغير لازم، ولكن يبدو أنه مستحبّ أكثر من الاحتياط.

ثمّ نقل سماحته بهذه المناسبة حديثاً عن المرحوم والده، وقال:

في الاستخارة بالمسبحة، هناك بحث هل يجب أن تكون المسبحة مائة حبّة أو غير لازم، وقال بعضهم بأنّ حديث الرّفع: «رفع ما لا يعلمون» دال على عدم اللزوم، لأنّ المورد شكّ وتجري البراءة.

لكن المرحوم الوالد، كان يقول: في باب الاستخارة وبالأخص للناس، لهذه الجهة أنّ الشخص يريد أن يحصل من الغيب أمراً حتى يصل فيه إلى الواقع، ولابدّ من رعاية أيّ محتمل، وهنا ليس مكان لـ«رفع ما لا يعلمون»، لذلك كان مقيّداً أن تكون المسبحة بمائة حبّة، وإذا كانت المسبحة مائة وواحدة عندما كانوا يريدون أن يستخيروا يفصلون تلك الحبّة ولا يعدّونها، وقد وردت في التاريخ والروايات أيضاً أنّ مسبحة السيدة الزهراء والإمام الصادق والإمام الحجّة (صلوات الله عليهم) كانت بمائة حبّة.

 

* وهن المذهب:

سأل أحد الحضور: هل أنّ عنوان «وهن المذهب» كمثل «لا ضرر» و«لا حرج» من العناوين الثانوية، ومغيّراً للحكم؟

أجاب سماحته: إذا كان في الواقع شيء مصداقاً لوهن المذهب فلا يجوز في الجملة، لأنّ كبرى الوهن كانت مسلّمة، ولجهتها قدسية الشرع، ولكن لابدّ أن نرى هل هناك في الواقع وهن للمذهب أم فقط ادّعاء في الواقع وليس وهناً، ومن جانب آخر ما هو حدود الوهن؟ وما هي حجم ضوابطه وملاكاته؟ وهذه كلّها بحاجة إلى البحث.

 

* سيرة العقلاء في العمل بالخبر الواحد:

كما سأل أحد الفضلاء: إذا كان دليل حجيّة خبر الواحد، السيرة العقلائية، فإنّ سيرة وبناء العقلاء بالعمل على خبر يحصل منه الاطمئنان، والقاعدة تكون: في الشرع أيضاً الخبر الواحد حجّة وتكون موجبة للاطمئنان؟

قال سماحته: نعم من جملة أدلّة حجيّة الخبر الواحد، بناء العقلاء، ولكن العقلاء لا يعدّون الاطمئنان الشخصي ملاكاً، بل يدّعون بأنّ الاطمئنان النوعي كاف، وعلى قول المرحوم الشيخ في (الرسائل): حتى لو كان الظنّ الشخصي على خلاف الخبر الواحد، فالخبر حجّة. والفقهاء في الفقه يعملون بمطلق خبر الثّقة، وبشكل عام إذا أصبح شيء حجّة، فإنّ الظن الشخصي على الخلاف، لا اعتبار له.

وسأل أحدهم: الخبر الواحد مفيد الظن، والآية الشريفة تقول: {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}.

قال سماحته: في الخبر الواحد المؤدّى ظني، ولكن بالنّسبة إلى حجّيته لنا علم، أي أنّ الدليل القطعي قائم على حجيّة هذا الظنّ الخاص بأنّ الخبر واحد، ولهذه الجهة فإنّ خبر الثّقة لا يكون مشمولاً بآية حرمة العمل بالظن، وقد ذكر بحثه مفصلاً في الأصول.

 

* قاعدة العدل والإنصاف:

وسأل أحد الفضلاء أيضاً: ما هو وجه قاعدة العدل والإنصاف التي يستند عليها الفقهاء أحياناً؟

قال سماحه: وجهها إلغاء الخصوصية عن رواية «الدرهم الودعي»، وهي: أنّ شخصين قد وضعا عند شخص أمانة ووديعة، أحدهما وضع درهماً والآخر درهمان، وفي المجموع كانت هناك ثلاثة دراهم أمانة عند هذا الشخص، وقد ضاع درهم من هذه الدّراهم الثلاثة من دون إفراط أو تفريط، والأمين ليس عليه إلاّ اليمين، والآن هذا الدرهم الضّائع لمن يعود؟ وفي الواقع إمّا هو لذلك الشخص الذي وضع درهماً واحداً وديعة، وإمّا لذلك الشخص الذي وضع درهمان وديعة.

لكن المعصوم قال في مثل هذه الموارد: لابدّ من الدرهمان الباقيان، أن يعطي درهماً واحداً إلى مالك الدرهمين، وأمّا الدرهم الباقي فينصف إلى قسمين، ويعطي لكل واحد منهما النصف، مع أنّ في هذه الحالة بكلّ تأكيد ويقين أنّ نصف الدرهم يصل إلى غير صاحبه.

مقتضى العدل والإنصاف هو هذا، وعلى قول الشيخ الأنصاري: «الموافقة القطعية في البعض والمخالفة القطعية في البعض أولى من الموافقة الاحتمالية في الكل، أو المخالفة الاحتمالية في الكل».

وقال بعض الفقهاء في مثل هذه الموارد: أن يقرع بينهما. ولكن المشهور بالإطلاق وعموم الروايات في القرعة، يقول: «القرعة لكل أمر مشكل»، أو «لكل أمر مشتبه»، ولذلك لم يعملوا به.

بناءً على هذا في الموارد التي مثل هذا القبيل يبدو أننا نستطيع العمل بقاعدة العدل والإنصاف، وقد استند المرحوم صاحب (الجواهر)، وأيضاً المرحوم الأخ في الفقه مكرّراً بهذه القاعدة. 

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

 

الجلسة الحادية عشر بتاريخ العاشر من شهر رمضان العظيم 1440 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

 

* العرف وتشخيص المصاديق:

في بداية جلسة هذه الليلة سأل أحد الحضور: هل العرف مرجع في المصاديق أيضاً، كما هو مرجع في المفاهيم؟

قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: في الأصول خاصّة، قال المتأخّرون: العرف مرجع فقط في المفاهيم، وأمّا في المصاديق فلا اعتبار لرأي العرف، لأنّ العرف يسامح في التّطبيق، وأمّا في الفقه، وبعد مراجعة الكتب الفقهيّة للأعاظم، بدءاً من الشيخ الطوسي وحتى فقهاء اليوم، نرى أنّ في المصاديق صرّح الكثيرون بمراجعة العرف، وعلى سبيل المثال:

1- في البئر ومنزوحاته: وردت في عشرات الروايات حول عدد الدّلاء، ولكن ما هو الدّلو الذي يكون ملاكاً، لأنّ للدّلاء أحجام مختلفة، صغيرة ومتوسطة وكبيرة، وصاحب (الجواهر) والشيخ الأنصاري والآخرون في هذه المسألة، قالوا بالرجوع إلى العرف، مع أنّ مقدار الدّلو، مصداق وليس مفهوماً.

2- حدّ الترخّص: قال الشارع: أنّ الذي يريد سفراً شرعياً ويقرأ صلاته قصراً ويفطر صيامه، حينما يتجاوز عن الحدّ عليه القصر والإفطار.

لكن أين حدّ الترخّص؟ ووردت في الأدلّة المكان الذي «توارى عن البيوت»، أي لا يرى جدران المدينة، أو لا يسمع آذانها.

عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يريد السفر متى يقصر؟

قال: «إذا توارى عن البيوت».

قال: قلت: الرجل يريد السفر، فيخرج حين تزول الشمس، قال: «إذا جزت فصل ركعتين».

يقول الفقهاء: وفي تشخيص مصاديق اختفاء الجدران، وعدم سماع الأذان، هو الرجوع إلى متعارف الأشخاص، لا الشخص الذي لديه نظراً حادّاً جدّاً، أو سمعاً قويّاً ودقيقاً، فإنّه هو الملاك، ولا الشخص الذي نظره أو سمعه أقلّ من الحدّ المتعارف.

وهذه الموارد جميعها مصداق، وقد أرجعت إلى العرف.

نعم المسامحة العرفية مرفوضة، أي في مورد إذا سامح العرف فلا اعتبار له، ولكن إذا رأى العرف توسعة في مكان ما، لا أن يقوم بالمسامحة، وبعبارة أخرى: التّوسعة العرفيّة والمسامحة العقليّة في هذا المورد، نستطيع إرجاعها إلى العرف، لأنّ خطابات الشارع ألقيت إلى العرف، ومع أنّ الشارع يعلم أنّ العرف لا يقوم بالدقّة العقليّة، فإذاً إذا كان البناء لازماً على الدقّة العلميّة لكان قد لكان قد أشار إليها، ولأنّ الشارع لم يُشر إليها، فنعرف من ذلك بأنّ الدقّة العقليّة ليست ملاكاً.

نعم، أحياناً في بعض المصاديق يشكّ، وعندما يكون جزء المصاديق مشكوك به، فلابدّ حينئذٍ من الرجوع إلى الأصول العملية.

 

* استنابة ذوي الأعذار:

وسأل أحد الحاضرين: هل يجوز استنابة ذوي الأعذار؟ وهل هي صحيحة؟ مثلاً: شخص بيد واحدة يكون أجيراً، أو تكون المرأة نائبة عن الرجل في القيام بأعمال الحجّ، مع أنه يعلم بأنها سوف تكون لديها عذراً شرعياً أثناء الحجّ؟

أجاب سماحته: هذه المسألة محلّ خلاف، وقال صاحب (العروة)، ومجموعة أخرى: الأصل عدم نيابة المعذور، وجماعة تمسّكوا بإطلاقات النيابة، وقالوا: النّيابة صحيحة. 

وجذورها موجودة في علم الأصول، إذا قلنا في باب الاطلاق: الحجيّة المطلقة مشروطة بأن تكون محرزة بأنّ المتكلم في مقام البيان كان من هذه الجهة، وهنا لو أردنا التمسّك بالإطلاق لابدّ أن يحرز بأنّ الإمام (عليه السلام) عندما أجاز الاستنابة في مقام البيان كان من هذه الجهة، حتى لو كان النّائب معذوراً لا إشكال يه.

أمّا لو لم نعتبر مثل هذا الشرط في حجيّة الاطلاق، بل قلنا إذا لم يكن محرزاً بأنّ المتكلم ليس في مقام البيان من هذه الجهة، فيكفي، وهذا هو المختار وعمل الفقهاء واستنادهم بالإطلاقات في الموارد المتعدّدة، والشّاهد على هذا بأنّ في حجيّة الاطلاق غير معتبر مثل هذا الشرط.

وفي هذه الحالة نستطيع التمسّك بإطلاقات النيابة، والفتوى بجواز استنابة ذوي الأعذار، وإن لم يكن محرزاً بأنّ الإمام (عليه السلام) كان في مقام البيان من هذه الجهة أم لا؟

على سبيل المثال: نذكر موارداً، تمسّك الفقهاء بالإطلاقات، مع أنه غير واضح من تلك الجهة كان في صدد البيان:

تشخيص جهة القبلة والاختلاف حولها، حيث قال المرحوم صاحب (الجواهر): إذا كان تشخيص الإمام والمأموم مختلفان في جهة القبلة، وكلّ واحد منهما وقفا إلى جهة معيّنة، فلا مانع منها، وطبعاً ليس بذلك المقدار الذي يتجاوز اليمين أو اليسار، أو يكون الظهر نحو القبلة، فقال: اطلاقات الجماعة تشمل حتى هذا المورد، والاقتداء صحيح، ولا يخفى أنّ الكثيرين قد استشكلوا على صاحب (الجواهر).

وقال أحد الحاضرين: تقول الرواية: «ما بين المشرق والمغرب قبلة».

قال سماحته: نعم، هذا للجاهل، وليس العالم بالقبلة.

الخلاصة: هذا بحث متجذّر، ويتفرّع عليه مئات الفروع، وإذا قلنا بأنّ الاطلاقات تشمل نيابة المعذور، فاستنابته صحيحة، لكن إذا شكّ في الاطلاق، فإنّ مكان الأصل هو الاشتغال، لأنّ أدلّة لزوم الأجزاء والشروط تكون مقتضى أدائها، ولا يستطيع الشخص المعذور القيام بأداء العمل بشكل كامل.

وحول الفرع الذي قلت: هل تستطيع المرأة أن تكون نائبة عن الرجل، مع أنه يعلم بأنها سوف يكون لديها عذراً شرعياً، فإنّ أغلب الفقهاء صرّحوا بالجواز، ولا يخفى بأنّ هناك رواية بأنها لا تستطيع أن تكون نائبة، ولكنّها غير معمولة بها، بل وأعرضت عنها.

 

* الاقتداء بالشخص المعذور:

سأل أحد الفضلاء: هل يستطيع الشخص المعذور في صلاة الجماعة أن يكون إماماً؟ وهل يستطيع الاقتداء به؟

قال سماحته: صرّح الفقهاء في صلاة الجماعة بتوسعة أكبر، على خلاف نيابة الحجّ. 

وفي صلاة الجماعة، فإنّ أيّ عذر يكون لإمام الجماعة نستطيع الاقتداء به، إلا في مورد واحد وهو لا يجوز بالإجماع، وهو أن يكون الإمام قاعداً والمأموم واقفاً، إلا في رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنّ هذه من خصائصه، للنصّ الخاص.

في باب الجماعة: إذا كان لدى إمام الجماعة أيّ عذر يجوز الاقتداء به، إلا ذلك المورد الخاص، مثلاً إذا لم يكن للإمام يداً واحدة، وفي سجوده لا يسجد على الأعضاء السبعة الكاملة، أو لا يستطيع الإمام من الركوع بل يومئ، فالاقتداء به لا إشكال فيه، حتى ولو كان الإمام معذوراً في القراءة، وتلفّظ بكلمة وأخطأ فيها، نعم الاحتياط هو أن يكرّر المأموم تلك الكلمة صحيحة مع نفسه.

 

* نجاسة ثياب إمام الجماعة:

وسأل آخر: إذا كان ثياب إمام الجماعة متنجساً، وكان جاهلاً بنجاسته، هل صلاة المأموم صحيحة؟

قال سماحته: نعم، لأنّ الطهارة من الخبث شرط ذُكري، حتى ولو كان المأموم متيقّناً بأنّ ثياب الإمام متنجس، وكان إمام الجماعة نفسه جاهلاً، فإنّ الاقتداء به صحيح، ولا يلزم أن يقول للإمام بأنّ ثيابه متنجس.

نعم إذا كان المأموم يعلم أنّ وضوء أو غسل إمام الجماعة كان خاطئاً، فإنّ الاقتداء به مشكل، لأنّ الطهارة من الحدث شرط واقعي: «لا صلاة إلا بطهور».

 

* صلاة القضاء الاحتياطية:

سأل أحد الفضلاء: توفي شخص، وأعطوا احتياطاً عنه صلاة قضاء، فإذا كان الشخص الذي يقرأ صلاة الاحتياط للميت، هل يجوز الاقتداء به؟

قال سماحته: كلا، لأنه ليس محرزاً هذه الصلاة التي يقرأها هي صلاة واجبة، نعم يستطيع الاقتداء به في حالة واحدة، وإن لم أر أحداً قال بها، ولكن طبق القاعدة، وعلى حسب أقوال الفقهاء في الموارد الأخرى، نستطيع أن ندركها، وهي التّرامي في النية، والجدير بالذّكر: وذلك في غير المورد الاستيجاري.

بمعنى أنّ إمام الجماعة ينوي، هكذا: مثلاً: أنوي قراءة أربع ركعات لصلاة الظهر بنية قضاء صلاتي، وإذا لم تكن هناك صلاة على ذمتي، فمن جانب المرحوم والدي، وإذا لم تكن على ذمته، فمن جانب أمي، وإذا لم تكن على ذمّتها، فمن جانب جدّي، وهكذا حتى يطمئنّ في مكان ما بأنّ هذه الصلاة التي يقرأها قضاء هي صلاة واقعية، وفي هذه الحالة فإنّ الاقتداء به صحيح، وهذا ترديد في المنوي، وليس ترديداً في النية، ولا إشكال فيه.

ولا يخفى فيما يخصّ النائب إذا أراد أن ينوي مثل النية المذكورة يجب أن يستجير من المستنيب (ورثة الميت الذين أعطوه صلاة القضاء).

وسأل أحدهم: إذا أصبح شخص أجيراً لأجل صلاة القضاء للميت، ولا يعلم بأنّ هذه الصلاة، كانت على ذمّة الميت الواقعي أم أنهم أعطوه احتياطاً، هل يستطيع أن يكون إماماً للجماعة؟

قال سماحته: كلا، لا يكفي، لأنّ المورد يكون قاعدة الاشتغال والاحتياط وليست البراءة.

 

* أداء المستحبات في الصلاة الاستيجارية:

سأل أحد من الحاضرين: في الصلاة الاستيجارية هل على الشخص الأجير أن يقوم بالمستحبات أيضاً، كمثل الآذان والإقامة والقنوت؟

قال سماحته: تابع لعقد الإجارة، وإذا اشترط في العقد ولو كان شرطً ارتكازياً، فلابدّ أن يقوم بها، وكيف إذا قيل بالنسبة إلى القنوت، والشرط الارتكازي في أدائه.

وإذا شكّ هل كان هناك شرط في الصلاة الاستيجارية أم لا، فهنا تأتي قاعدة الاشتغال، وليس الأقل والأكثر، حتى تجري البراءة.

أي يعلم بأنّ ذمّة النّائب اشتغلت بصلاة لأجل المنوب عنه، وإذا أدّاها من دون قنوت فليس معلوم بأن ذمّة النائب قد برئت.

 

* القمار في الشبكة العنكبوتية:

والمسألة الأخرى التي طُرحت: هل يجوز القمار في الشّبكة العنكبوتية «الأنترنيت»؟

فقال سماحته: إذا كان في القمار شخص آخر لكي يقامر معه، لا يجوز مطلقاً للإطلاقات، ولا يختلف الشبكة العنكبوتية عن غيرها، وإذا لم يكن هناك طرف ثان، لا يصدق هنا القمار لأنّ المقامرة هي بين طرفين اثنين.

قيل: أليست الاطلاقات منصرفة بالقمار الخارجي، لأنه لم يكن في عهد المعصومين (عليهم السلام) توجد الشبكة العنكبوتية «الانترنيت»؟

فقال سماحته: روايات حرمة القمار، ليست قضية خارجية، بل هي حقيقية، وليست بحاجة أن تكون مصاديقها في زمن المعصومين (عليهم السلام).

قيل: فإذاً كيف تقولون بالنسبة إلى رؤية الهلال أو الفجر، بأنّ الملاك العين غير المسلّحة؟

فقال سماحته: في رؤية الهلال والفجر، محرز بعدم الاطلاق حتى تكون شاملة للرؤية مع التلسكوب أيضاً، ولهذا السبب فإنّ الاطلاقات تحمل على المتعارف، والرؤية بالتلسكوب غير متعارف.

 

* الربا من الكفار:

سُئل: ما هو حكم إعطاء الرّبا وأخذه من الكافر؟

أجاب سماحته: إعطاء الربا لا يجوز مطلقاً، سواءً للمسلم أو الكافر، وهكذا بالنسبة إلى أخذ الربا لا يجوز من المسلم، وأما أخذ الربا من الكافر الحربي فجائز بالإجماع، للدّليل الخاص، وأخذ الربا من الكافر غير الحربي فمحلّ خلاف، وقد صرّح الكثير من الفقهاء: لا يجوز، لأنّ أدلّة حرمة الربا لها إطلاق، وهي تشمل غير الحربي أيضاً.

 

* معيار أداء المهور القديمة:

والسؤال الآخر المطروح، وقد كان مورداً للإشكال والمناقشة من طرف بعض الفضلاء، وهو: إذا جعل رجل مهر زوجته قبل خمسين عاماً مثلاً ألف دينار، والآن يريد أن يؤدّي مهرها، هل يُحاسب قيمة الألف دينار بقيمة اليوم؟

فقال سماحته: نعم، القاعدة المسلّمة «العقود تابعة للقصود» تدلّ عليها، ففي ذلك الحين الذي عيّن ألف دينار مهراً لهذه السيّدة، فبالنظر إلى قيمة ألف دينار في ذلك الحين، فالقيمة هي المعتبرة، وإلا لم يعيّنوا خمسمائة أو ألفين، وبناءً على هذا فإنّ قيمة الألف دينار كانت في ارتكاز الطرفين، أي أنها في صورة حيث التّقييدي وليس حيث التّعليلي.

هكذا في القرض أيضاً. ومثلاً لو أعطى مليون دينار قرضاً لشخص قبل عشرين عاماً، ولكن الذي استدان لم يرجع له المبلغ المذكور، وماطل في الأداء، وبعد عشرين عاماً يجب أن يحاسب قيمة المليون السّابق، ليعطي للدائن، إلا إذا رضي المدين بأقلّ من ذلك.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.