سماحة المرجع الشيرازي بكلمته بالمبلّغين:

يجب إعلام البشرية بأنّ الإسلام بريء من ممارسات الحكّام وظلمهم

بمناسبة قرب حلول شهر رمضان العظيم، وكالسنوات السابقة، ألقى المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، كلمه قيّمة مهمة، بجموع غفيرة من العلماء والفضلاء والمبلّغين وطلبة العلوم الدينية والمؤمنين، من العراق والخليج وأوروبا والهند وأفغانستان وباكستان وسوريا، ومن المدن الإيرانية قم المقدّسة وأصفهان وطهران وغيرها، وذلك في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، مساء يوم الأربعاء الموافق للخامس والعشرين من شهر شعبان المعظّم 1440 للهجرة (1/5/2019م).

قال سماحته دام ظله في كلمته القيّمة:

ورد الكثير من الروايات الشريفة عن أهل البيت صلوات الله عليهم بخصوص شهر رمضان العظيم. ومنها صحيحة هشام بن سالم عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: (إذا سلم شهر رمضان سلمت السنّة). فكل من يدرك شهر رمضان العظيم سيكون بين قوّتين، هما: العقل والنفس الأمّارة. فإذا قمع الإنسان شهواته في هذا الشهر، فهذا يعني انّه نال التوفيق الكثير في سلامة سائر الأشهر المتبقية من السنّة، لأنّ هذا الشهر الفضيل له المركزية على السنة كلّها. فشهر رمضان العظيم هو ربيع، ولكن ليس ربيع القرآن فقط، بل ربيع مجاهدة النفس.

وأوضح سماحته: جاء في رواية شريفة، انّ الذنوب هي من الإنسان نفسه، وهو مختار أو مخيّر في ارتكاب الذنب من عدمه. واجتناب الذنب ممكن، ويمكن للإنسان أن يبتعد عن الذنوب بمقدار ما منّ الله تعالى عليه من البصيرة، والله تبارك وتعالى لا يتوقّع من الإنسان أكثر من ذلك. 

إذن اسعوا إلى الابتعاد عن المعاصي من أول شهر رمضان العظيم إلى آخره.

وبيّن سماحته: إنّ الله تعالى يمتحن حتى أنبيائه امتحاناً صعباً، وحتى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسائر المعصومين سلام الله عليهم يمتحنهم أعظم الامتحان. ومن أعظم ما امتُحن به رسول الله صلى الله عليه وآله هو انّه تعرّض للخيانة من أقرب الأشخاص إليه بل ومن أعضاء عائلته، وتعرّض منهم للأذى أيضاً. ولكنه صلى الله عليه وآله لم يدعو على أي واحد منهم. فإذا الله تعالى يمتحن حتى أشرف خلقه، فهذا يعني انّنا أيضاً يشملنا الامتحان. والخروج من هذا الامتحان بنجاح وبرفعة الرأس، بحاجة إلى تصميم كبير وراسخ.

وأشار سماحته إلى جوانب من السيرة المشرقة لمولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: لقد أوصيت الشباب كراراً بأن يقرؤوا هم بأنفسهم تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله وأكرّر هنا الوصية مرّة أخرى. فمولانا نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله في دعوته الناس إلى الدين تعرّض لكثير من الإهانات والأذى، ولكنه صلى الله عليه وآله لم يشكو ذلك لله تعالى. ولذا وبالتأسّي برسول الله صلى الله عليه وآله علينا أن نتحمّل المشاكل وعقبات وعوائق، وأن نصمّم بجدّ على تربية النفس. وهذا الأمر ليس بالسهل، وبنسبة ما فيه من الصعوبات، تكون نسبة الأجر.

إذن على المؤمن أن يسلّم برضا الله تعالى في تقلّبات وصعوبات الحياة، حتى يمكنه أن يتغلّب على المشاكل. ومفتاح نيل هذه المرتبة من التسليم هو شهر رمضان العظيم.

وخاطب سماحته دام ظله من يقومون بممارسة التبليغ الديني والوعظ والإرشاد وكذلك المؤمنين كافّة، بقوله:

من الضروري واللازم على كل مؤمن وبالأخص أصحاب التبليغ الديني أن يكتسبوا خصلتين:

الأولى: الصبر. والثانية: الحلم. فعلى المبلّغ الديني أن يتحلّى بهاتين الخصلتين، وشهر رمضان العظيم هو فرصة مناسبة لهذا الأمر. وكذلك على المبلّغين أن ينتبهوا بأن لا يبقوا إلى الوراء ويسبقهم من تعلّموا منهم المواعظ إلى نيل الدرجات الرفيعة في الجنة.

وقال سماحته: على الإنسان أن يربّي نفسه في طول السنّة، وهذا الشهر العظيم هو ربيع تربية وتزكية النفس. وتزكية النفس واجب عيني على كل شخص، والتصميم هو أحد السبل لتزكية النفس. لأنّ الشهوات وحبّ الدنيا يضغطان على الإنسان، ولكن القرآن الكريم وروايات أهل البيت صلوات الله عليهم هما طريق نجاة الإنسان من كيد الشهوات، والوصول إلى تزكية النفس. وهذه وصيّتي الأولى لكم جميعاً.

أما الثانية التي هي واجب كفائي بادئ الأمر، ولكنها اليوم وبسبب عدم الكفاءة، تبدّلت إلى واجب عيني، وهي قضية الدفاع عن الله عزّ وجلّ ورسول الله وأهل البيت صلوات الله عليه وعليهم. وهذه مسؤولية على عاتق الجميع، وعلى كل شخص أن يبادر إليها بتبيينها. وإلاّ مَن الذي عليه أن يدافع عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله؟ فهذا الأمر لم يك ممكناً في الماضي، ولكن اليوم على كل شخص أن يقوم بذلك قدر ما يتمكّن عليه. فلا تهتمّوا لأعداد وكثرة القنوات الفضائية المنحرفة، وعليكم أن تقوموا بالتبيين عبر القنوات الشيعية الموجودة، ولا شكّ أنّ مساعيكم ستعطي النتيجة، وسننال التوفيق جميعاً.

وأضاف سماحته، وقال: يستفيد أهل الباطل من واحد من الأسلوبين التاليين، وهما:

إما يكذبون، أو يغالطون. كما نسب المشركون الجنون والسحر إلى نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله. وللتصدّي لهذين الأسلوبين بحاجة إلى مقدّمات، وأوّلها هو العلم. وببركة أهل البيت صلوات الله عليهم، نحظى نحن جميعاً بكنوز علمية كبيرة، ولكن علينا أن نستخرج هذه الكنوز، وهذا العمل يستلزم صرف الوقت. فعامّة الناس، من أي دين ومذهب كانوا، يهتدون إذا تعرّفوا على معارف أهل البيت صلوات الله عليهم.

كما علينا أن نقتدي بأهل العلم من الماضين الذين عاشوا في الأزمنة الماضية، وأن نشمّر عن سواعدنا ونكون جادّين في هذا الأمر، لأن الماضين تحمّلوا في هذا الطريق الكثير من الصعوبات، وأهدوا الكثير من الناس.

وتطرّق سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، إلى كيفية ممارسة التبليغ، وقال:

الجانب الآخر لشهر رمضان العظيم هو انّه شهر التبليغ. والتبليغ يجب أن يكون بمستوى (البلاغ المبين). فلا تتعبوا من الاستمرار في سبيل تبليغ الدين ولا من تكراره، لأن التكرار والاستمرار يوصلان الإنسان إلى الموفقيّة، ويجعلا من البلاغ المبين أن يكون مثمراً. فبسبب المواصلة والصمود من قبل النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله التي استمرّت إلى سنوات، تأثّر بالنتيجة الكفّار والمشركين، واهتدوا. فبتكرار البلاغ المبين والاستمرار عليه، يمكننا أن نبطل مفعول الإهانات الصادرة من القنوات الفضائية بمختلف اللغات التي عمّت مختلف المجتمعات. واعلموا انّه طالما الدنيا في الضلالة والفساد، فالتبليغ واجب كفائي. وإذا لم يوجد الكمّ الكافي ممن فيه الكفاية للتبليغ، فسيكون واجباً عينياً على الجميع.

في ختام كلمته القيّمة تحدّث سماحة المرجع الشيرازي دام ظله عن المسؤولية الواجبة اليوم على المؤمنين كافّة، مركّزاً في حديثه على ما يتعرّض له اليوم أتباع أهل البيت صلوات الله عليهم من ظلم وجور وهضم للحقوق المشروعة وبالأخص من قبل الحكّام والظالمين، وقال:

إنّ ممارسات بني أميّة وبني العباس قد شوّهت صورة الإسلام ولم تبق له أيّة حرمة، ولذلك نرى اليوم عمليات إعدام لمجموعة من الشباب وذلك بتهمة المشاركة في مظاهرات! فمن الذي يوصل هذه الحقيقة للعالمين، وهي انّ نبي الإسلام صلى الله عليه وآله والإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه لم يعدما حتى شخص واحد من معارضيهما ومخالفيهما، في أيّام حكومتيهما. فالإسلام متّهم في دنيا اليوم. فمن يدافع عنه ويزيل عنه هذه التهمة؟!

كذلك، أليس من الجفاء أن لا نعرّف سيرة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليها للدنيا؟! والإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه هو الذي قالت الروايات الشريفة بحقّه، لو لم يقصوه وجعلوا الناس يتبعونه لحظيت البشرية بنِعَم السماء وببركات الأرض. وإذا لم يكن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه اليوم بيننا، ولكن سيرته موجودة. وعلى الحكومات الإسلامية أن تعمل بها، وأن توصلها للعالمين.

إذن، هذا الأمر مسؤولية واجبة على الجميع، وشهر رمضان العظيم ربيع تعريف وتبليغ هذه السيرة المشرقة.