سماحة المرجع الشيرازي دام ظله بكلمته ليلة 11 محرّم الحرام 1440 هجرية:

لاتخشوا من تعريف الناس بالظالمين للقضية الحسينية وشعائرها

في مساء يوم الخميس العاشر من شهر محرّم الحرام وهو يوم عاشوراء الحسين صلوات الله عليه، الموافق للعشرين من شهر أيلول سبتمبر 2018 للميلاد، وكالسنوات السابقة، شهد بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدّسة، تجمّعاً كبيراً للمعزّين الحسينيين.

حضر في هذا التجمع الكبير للمعزّين الحسينيين العديد من الشخصيات الدينية والثقافية والاجتماعية والإعلاميين، واستمعوا إلى الكلمة القيمة لسماحة المرجع الشيرازي دام ظله، حول القضية والشعائر الحسينيتين المقدّستين، إليكم أهمّ ماجاء فيها:

 

شكر ودعاء لمقيمي الشعائر:

استهلّ سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، كلمته بقوله: «عظّم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بالحسين عليه السلام وجعلنا وإيّاكم من الطالبين بثاره مع وليّه الإمام المهديّ من آل محمّد صلّي الله عليه وآله».

الليلة هي ليلة الحادي عشر من شهر محرم الحرام. وقد انتهى كل شيء إلى غروب هذا اليوم. وقد قام الشيعة الكرام في أرجاء الدنيا في العشرة الأولى من محرم بإقامة العزاء. فطوبى لمن تعب في هذا العزاء، وطوبى أكثر لمن تعب أكثر. وطوبى لمن كانت له المشكلات في إقامته للعزاء الحسيني. وطوبى أكثر لمن كانت له مشاكل أكثر. وطوبى لمن قتل في طريق مولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه هذه السنة، وطولى لمن جرح أو أصيب بالإعاقة، فالله تعالى يقول: هم درجات عند الله.

إنّ الذي يبكي دماً على هذه المصائب أكثر من ألف سنة، الذي قال عنه الإمام الباقر صلوات الله عليه بوليّ الإمام الحسين صلوات الله عليه، وهو مولانا بقيّة الله الإمام المهدي الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف، أرجو أن يرعاهم بالرعاية التي وعدها هو عجّل الله تعالى فرجه الشريف، أكثر وأكثر.

أنا ومن باب المسؤولية الشرعية، أدعو الله تعالى أن يمنّ عليهم وعلى الجميع بسعادة الدنيا والآخرة، وأن يزيد في منّه عليهم بالسعادة، وأن يرعاهم الإمام الحسين صلوات الله عليه أكثر. 

 

تعازي:

في البداية، أرفع التعازي إلى المقام الرفيع والمنيع والعظيم لصاحب الإمامة المنصوبة من الله تعالى، وصاحب العصمة الكبرى، مولانا بقيّة الله عجّل الله تعالى فرجه الشريف. وبعدها أقدّم التعازي إلى الجميع والجميع. فالكل أصحاب مصيبة في قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه، الرجل والمرأة، والكبير والصغير. وأرجو من الله تعالى أن يسعدهم في الدنيا والآخرة.

 

السلام على المضام المستباح:

جاء في إحدى زيارات الامام الحسين عليه السلام: السلام على المضام المستباح.

المضام تعني المظلوم. فالأئمة عليهم السلام كلهم قد تعرّضوا للظلم، وكلّهم استشهدوا، فـ(مامنّا إلاّ مسموم أو مقتول) فنبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله استشهد مظلوماً، والسيدة الزهراء صلوات الله عليها استشهدت مظلومة، ومولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه استشهد مظلوماً، ومولانا الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه استشهد مظلوماً، وبعد الإمام الحسين صلوات الله عليه، استشهد كل الأئمة صلوات الله عليهم مظلومين، أي كلهم قتلوا وكلّهم مضام، وحتى الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه، سيستشهد بعد أن يقيم العدالة وينشر الرحمة والرأفة الإلهية، مظلوماً. ولكن وصف (المستباح) هو خاصّ ومختصّ بالإمام الحسين عليه السلام فقط وحسب، ووردت في زيارته صلوات الله عليه فقط (زيارة الناحية المقدّسة)، ولم ترد في زيارات باقي المعصومين الثلاثة عشر صلوات الله عليهم.

معنى المستباح:

هذه الكلمة (المستباح) تعني الحلال والمباح. وويقول العلماء انّ حذف المتعلّق له ظهور في العموم. وهذه الكلمة جاءت في الزيارة الناحية المقدّسة مطلقة. وهذا يعني انّهم قتلوا الإمام الحسين صلوات الله عليه وقالوا قتله حلال. وبعض أفتى بوجوب قتل الإمام الحسين صلوات الله عليه، ومباحة أمواله كما فعلوها في يوم عاشوراء سنة 61 للهجرة بعد مقتل الإمام صلوات الله عليه. وأحلّوا سبّ الإمام الحسين صلوات الله عليه ورميه بالسهام وضربه بالسيوف وطعنه بالرماح، والركل بأرجلهم، وهذا يعني المستباح. 

إنّ قتلة الإمام الحسين صلوات الله عليه، وقتلة أهل بيته، وقتلة أصحابه، إن استعمل أفصح العرب وأبلغهم، بل حتى الأفصح والأبلغ من أهل كلّ لغة، أي كلمات أو كلمة قبيحة بحقّهم فهي ليست بكافية. فماذا نقول عنهم؟

 

الأجلف والأجرم:

إنّهم كانوا أجلافاً، وبلا غيرة، وبلا إنسانية، وغيرها من الكلمات التي تشابهها، وهي قليلة بحقّهم. عن اولئك القتلة، قال الإمام المعصوم ومنهم الإمام الحسين صلوات الله عليهم، إنّهم كانوا يعدّون أنفسهم من المسلمين ويصلّون ويصومون ويحجّون، وقد جاؤوا إلى مكّة في أيّام الحج ليقتلوا الإمام الحسين صلوات الله عليه، وحملوا السيوف حين الإحرام ليقتلوا الإمام حين الإحرام في الحرم المكّي. وقد قال عمر بن سعد ياخيل الله. وهذا هو الإسلام المزوّر، وهذا هو الإسلام الكذب.

فهم قد ارتكبوا الجرائم كلّها في كربلاء، وبالإعجاز الإلهي لم يتعرّضوا إلى مخدّرات بيت النبوّة، ولكن مارسوا التعذيب بحقّهنّ. وعدم ارتكابهم لجرائم أكثر هو بسبب خروج ذلك من قدرتهم. وهذا يعني المستباح.

بلى لم يتحقّق شيء واحد قد ذكرته في السابق، وكان من المعجزة الإلهية، وكان بالدعاء الخاصّ من الإمام الحسين صلوات الله عليه، وهو التعرّض للسيدة زينب سلام الله عليها ولمخدّرات بيت الرسالة ولبنات رسول الله صلى الله عليه وآله. بلى شتموهنّ وضربوهن، وكسروا أرجل وأيدي بعضهنّ، وجرحوهنّ، وبعضهنّ وبسبب الجراحات رحلوا عن الدنيا بسنةّ أو أقلّ أو أكثر. فلم يتعرّضن للقتل وهذا حدث بدعاء الإمام الحسين صلوات الله عليه: إنّ الله حافظكنّ وحاميكنّ. فالأعداء أرادوا فعل كل شيء ولكنّهم لم يتمكّنوا. وهذا يعني المستباح. 

ولكن يبقى السؤال وهو: لماذا كل هذه الجرائم؟ وما هي جذورها بحيث وكما ذكرت كتب المقاتل: ازدلف إليه ثلاثون ألف كل يتقرّب إلى الله بدمه.

 

مصير معاوية وأضرابه:

ذكرت الروايات الشريفة أنّه يوجد حفرة في الدرك الأسفل من جهنم، إذا رفع غطاؤها فسيتعذّب منها أهل جهنم. ويوجد في هذه الحفرة 14 تابوت وهي لمن كانوا هم أصل كل تلك المصائب، وأحدهم معاوية. فمعاوية وفي طول 20 سنة من حكمه ارتكب الجرائم التي صارت ثقافة مضادّة لثقافة أهل البيت صلوات الله عليهم. فمن الجرائم التي ارتكبها معاوية خلال 20سنة من حكمه هو سبّ الإمام عليّ والسيدة الزهراء والإمامين الحسن والحسين صلوات الله عليهما على منابر صلاة الجمعة في كل البلاد الإسلامية. فكانوا يستعملون في خطب الجمعة أنواع الإهانات والتهم بحقّ تلك الأنوار المقدّسة، من أهل البيت صلوات الله عليهم، حتى صار يظن الناس انّ النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله لا قوم له ولا أهل بيت سوى بني أمية، وهذا ما يدلّ على مدى انتشار ثقافة معاوية الباطلة التي استمرت حتى من بعد بني أمية.

 

مصير المحارب للشعائر والمقصّر بحقّها:

كان الشيعة في طول التاريخ كأقليّة وفي ظلم وضغوطات، ووصل هذا الأمر إلى مستوى انه لو سبّ شخص يعيش في كربلاء، يزيد بن معاوية، كان مصيره السجن. ولكن ومن حسن الحظّ، انّ الظروف اليوم قد تغيّرت، وينعم العالم اليوم بحرية أكثر. وسؤالي من الشيعة هو: ياشيعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه: متى تبيّنوا للدنيا كلّها الصورة الحقيقية لاولئك الظلمة؟ وعلى من تقع هذه المسؤوليةّ؟!

لقد كان ياسين الهاشمي ممن حارب الشعائر الحسينية بشدّة، وقد طبعت وصدرت وبالعلن في زمن حكومته منشورات مضادّة للإمام الحسين صلوات الله عليه، ولكن بالنهاية ذهب من الدنيا بذلّة وهوان.

أنا أوصي الجميع بأن يدرسوا ويبحثوا في معرفة مصير وعاقبة الذين تعرّضوا لشعيرة من الشعائر الحسينية أو إلى المحيين لها. فالذلّة والخذلان لا تصيب من يظلم الشعائر الحسينية المقدّسة، بل تشملان حتى الذين يقصّرون تجاه القضية الحسينية المقدّسة، فالله تعالى يجعلهم في عداد الذين لا ينظر إليهم. 

بلى، إنّ قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه قضية حسّاسة جدّاً جدّاً، وكل من يتمكّن من نصرتها ويقصّر، فسيصيبه الخذلان، وتصيبه الذلة في الدنيا والآخرة. بل، إنّ الله تعالى لا يتعجّل في عذاب الظالمين بعض الأحيان، ويحاسبهم في الآخرة. ولكن بالنسبة للقضية الحسينية المقدّسة، فالله تعالى يعجّل في عقوبة من يعرقلها.

 

ليعرف العالم الحسين:

أنتم أيّها الشباب وكذلك من يحيي الشعائر الحسينية جميعاً، عليكم أن لا تخافوا تعريف من قام بظلم القضية والشعائر الحسينيتين المقدّستين للناس، وكل ما تلاقونه في هذا الطريق من محن وآلالام، فهو في طريق سعادتكم في الدنيا والآخرة، وقد وعد الله تعالى وأهل البيت صلوات الله عليهم بأن يجبروا لكم كل ما تلاقونه. 

على الدنيا كلّها أن تعرف وتعلم مَن هو الإمام الحسين صلوات الله عليه؟ ولماذا وكيف استشهد؟ ولماذا صار شهيداً؟ ومن هم قتلته؟ فعلينا أن نؤلّف الكتب في هذا المجال، لكي يعرف العالمين الإمام الحسين صلوات الله عليه ويعرفوا نهضته المقدّسة. وهذه مسؤوليتنا اليوم.

 

تضحيات الشيعة :

إنّ الشيعة المخلصين من السلف الماضي لم يتراجعوا حتى خطوة واحدة عن عقائد التشيّع، وبذلوا أرواحهم في هذا الطريق. واليوم علينا أن نؤدّي مسؤوليتنا في هذا الطريق. فالأذى والظلم في يومنا الحالي ليس كما هو في الماضي، فتحمّلوا ما تتعرّضون له بكل وجودكم، وعرّفوا الشعائر الحسينية المقدّسة للبشرية كلّها. فالعالم اليوم فيه نسبة من الحرية والحريات، ويُستفاد اليوم من الإمكانات الحديثة كالفضائيات في تبليغ وتعريف الشعائر الحسينية المقدّسة، ولكنها ليست بالكميّة المطلوبة. 

على المرء أن يتحمّل المصاعب في طريق الإمام الحسين صلوات الله عليه. فمن مضى من السلف قد ضحّى بماله وماله في هذا الطريق، ولكن اليوم ليس كالماضي، ويجب الاستفادة من الفرص. فاليوم هو يوم أداء المسؤولية عبر الاستفادة من الحريّات والإمكانات، فيجب أن تعرف الدنيا الوجه الحقيقي للثقافة الأموية، ويجب أن تعي الدنيا معنى المستباح، ومن هم الذين استباحوا؟ وما سبب الاستباح؟ ومن الذين صاروا سبب هذا الاستباح؟ 

لقد أريقت الدماء وسالت في الماضي، حتى وصلتنا الشعائر الحسينية المقدّسة، وهذا ما يجب علينا أن ننقله للآخرين. وأقولها مرّة أخرى، إنّ الفعاليات المبذولة في هذا الطريق قليلة. 

الزيارة الأربعينية:

القضية الأخرى هي زيارة الأربعين التي يجب علينا أن نسعى لأجلها وفي طريقها. فلا يقصّر أحد في مجال الزيارة الأربعينية الحسينية. وحذاري من أن يقول أحد ما هو تأثير عدم ذهابي للزيارة، فالزيارة الأربعينية هي من علائم الإيمان.

كما علينا أن لا نغفل عن التبليغ والإعلام الثقافيين في أيام الأربعين الحسيني. فليسع كل واحد في هذا الطريق قدر ما يتمكّن، ولو بمقدار تعليم أصول الدين للزائرين.

كذلك يحب السعي في مجال تسهيل الزيارة الأربعينية حتى ينال الجميع السعادة. ولهذا الأمر يجب على الشباب أن يذهبوا إلى لقاء حتى المسؤولين في الحكومات، أو أن يقوموا بأيّ فعالية مطلوبة أخرى. 

 

وجوب تسهيل الزيارة:

اعلموا إنّ التقصير في سبيل تسهيل زيارة الإربعين، توجب الخذلان في الدنيا والآخرة. فيجب أن تتوفر كل وسائل الراحة لزائري الأربعين. فالفقراء قد خرجوا مرفوعي الرأس من الاختبار عبر استقبالهم وضيافتهم للزائرين، واليوم حان دور الأغنياء، لكي يقوموا بتوفير وتهيأة آلاف الفنادق وأماكن الاستراحة لزائري الأربعين. 

كما انّه لا معنى لتأشيرة الدخول للزائرين الحسينيين. واعلموا انّه سيأتي اليوم الذي تُلغى فيه التأشيرات وجوازات السفر لأجل زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه بلاشكّ. ولكن لماذا لا يتمّ هذا الأمر اليوم وفي زماننا الآن؟ لماذا تذهب مثل هذه السعادة من أيدي المسؤولين اليوم؟

 

للمسؤولين بالحكومات:

يجب على المسؤولين أن يقوموا بما من شأنه تسهيل الزيارة الأربعينية بأفضل نحو، وأن تقام بكل التسهيلات، وأن لا يحرموا أنفسهم من هذه السعادة. وأتمنّى اليوم الذي تلغي فيه كل الحكومات في الدنيا، تأشيرات الدخول وجوازات السفر لأجل زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه، وأن يُحصّلوا هذه السعادة لأنفسهم.

تعريب: علاء الكاظمي